الرئيسية / المقالات / وثيقة “مكة المكرمة”.. لماذا الآن؟  من أجمل ما رأيت في المؤتمر؛ إمامي مسجدي "نيوزلاندا" وهما يتحدثان بكل التسامح والعفو.. كانت ضربة معلم بتعبيرنا لذلك لمؤتمر رابطة العالم الإسلامي ..

وثيقة “مكة المكرمة”.. لماذا الآن؟  من أجمل ما رأيت في المؤتمر؛ إمامي مسجدي "نيوزلاندا" وهما يتحدثان بكل التسامح والعفو.. كانت ضربة معلم بتعبيرنا لذلك لمؤتمر رابطة العالم الإسلامي ..

بقلم : عبدالعزيز قاسم
إعلامي وكاتب صحفي

1) في صخبِ وصدى القممِ الثلاثة التي لفتت أنظار العالم هذه الأيام، والضجيج الإعلامي العربي والعالمي حول مضامين هاته القمم الموفقة التي دعا لها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان؛ أُصدرت وثيقة “مكة المكرمة” من لدن 1200 عالم شرعي، مثّلوا مفتيات العالم الإسلامي، ورؤساء التجمّعات الإسلامية الكبرى بالعالم.

2) وثيقةٌ مهمةٌ جدا؛ متمنّياً ألا تمرَّ مرور الكرام، وأن تُعقد عليها ورش عمل لتفكيك بنودها، وإبراز معانيها السامية، وتحظى بتغطيات إعلامية مركّزة تستحقها، لأنها وثيقة معبّرة وعميقة جدا، تُري العالم كله من هو الإسلام، وكيف نظرته للكون والحياة، وقيم الإنسانية والتعايش بين الأديان والثقافات الموجودة فيه!!

3) وثيقة “مكة المكرمة” التي أتحدّث؛ استلهمت في بنودها وثيقة “المدينة المنورة” التي عقدها النبي، صلى الله عليه وسلم، قبل 14 قرناً لحفظ تنوّع الدولة الإسلامية، وتعايشها باختلاف مكوناتها. لذلك أتت وثيقة “مكة المكرمة” على خطاها، لأن الحاجة اليوم ماسّة لإيضاح تلكم المضامين للعالم كله، أمام التشوية الذي مسّ ديننا من قبل متطرفين يدّعون التحدث باسمه.

4) وثيقة “مكة المكرمة” التي صَدرت في أفضل بقاع الله، وخير الزمان (22-24 رمضان 1440) تضمّنت دستوراً تاريخياً عبر 29 بنداً، أعدّت بشمولية تامة، وبصياغة دقيقة محكمة من لدن أولئكم العلماء، ستسحب -برأيي- البساط من الأحزاب والتنظيمات المتطرفة التي تنتسب للإسلام، وتتحدّث -اليوم- باسمه زوراً وكذباً.

5) برأيي أن وثيقة “مكة المكرمة” تحتاج أن نخدمها بشكلٍ أكثر مهنية، وبطريقةٍ احترافية أعلى، وألّا نقف عند إعلانها فقط، وينتهي الأمر. لا بدّ من إعادة تسليط الضوء عليها، وذلك عبر مؤتمرات في الغرب-الولايات المتحدة بشكل خاص- وورش عمل مشتركة مع رموز الديانات والثقافات الأخرى، والوقوف عند تلك البنود الذهبية التي ترجمت روعة ديننا ونظرته للكون والحياة والإنسان وقيم الجمال.

6) أدعو القارئ معي لتأمّل بعض البنود التي جاءت في الوثيقة، والتي هي من صميم ديننا الإسلامي: البشرُ على اختلاف مكوناتهم ينتمون إلى أصل واحد، وهم متساوون في إنسانيتهم، رافضين العبارات والشعارات العنصرية، والتنديد بدعاوى الاستعلاء البغيضة.

7) الوثيقة شدّدت على أن التنوّع الديني والثقافي في المجتمعات الإنسانية لا يبرّر الصراع والصدام، بل يستدعي إقامة شراكة حضارية إيجابية، وتواصلاً فاعلاً يجعل من التنوّع جسراً للحوار، والتفاهم، والتعاون لمصلحة الجميع، ويحفّز على التنافس في خدمة الإنسان وإسعاده.
كل بند من الوثيقة لها أدلتها واستشهاداتها من الآيات والأحاديث والسير النبوية.

8) من أبرز مطالبات الوثيقة، والتي هي ردٌّ حضاري على جرائم مسجدي “نيوزيلاندا” وغيرها من الاعتداءات العنصرية: سنّ التشريعات الرادعة لمروّجي الكراهية والمحرّضين على العنف والإرهاب، وكذلك الوقوف بحزم تشريعي تجاه الاعتداء على دور العبادة بوصفه عملاً إجرامياً.
لو استطعنا التحشيد لهذا البند من لدن المنظمات والهيئات الحقوقية والتجمعات الدينية في العالم، ستكون خطوة عملية قوية، تترجم قوة وثيقة “مكة المكرمة”.

9) الحقيقة كل بند في الوثيقة يستحق التمعن والدراسة، وأقف والله تحية واعجاباً لمن صاغ البنود التي عرف كيف تفكر العقلية الغربية، وعرف كيف يخاطب العالم بأسره بلغته التي يحبّ ويهتمّ، فلم تنس الوثيقة المرأة، فشدّد على ضرورة التمكين المشروع للمرأة ورفض تهميش دورها، أو امتهان كرامتها، أو التقليل من شأنها.
ولطالما وُصم إسلامنا من قبل الغرب بأنه يمتهن المرأة وضد حقوقها، وأتت الوثيقة عبر علماءنا الأجلاء ليبينوا خطأ ذلك، ويحتاج الأمر لترجمته عمليا بصراحة، عبر حضورها القوي والفاعل في مثل هاته المؤتمرات، وإعطائها الكلمة لتتحدث عن نفسها، لا أن نتحدث نحن عنها.. وهي خطوة أتمنى على الرابطة المسددة أن تخطوها.

10) عندما أقول أن الوثيقة عرفت تخاطب العالم بعقليته وموضوعاته التي يهتم، فليس معنى ذلك أننا زوّرنا بنوداَ لنجامله، أو حقنّا جملاً إنشائية لتزيين الوثيقة فقط؛ بل البنود من صميم ديننا، والوثيقة أبرزتها فقط، حيث كانت مغيّبة خلال الحقب الماضيات، أو لم يُهتمّ بها في المراحل الزمانية السابقة، وأتى وقتها الآن كي تبرز، ويعرف العالم عظمة ديننا وشموليته الكاملة لمناحي الحياة.

11) من هذه البنود التي أتحدّث، وعرفت كيف تخاطب الغرب اليوم: حفظ الطبيعة التي سخّرها الخالق العظيم للإنسان، وعدم الاعتداء على مواردها وإهدارها وتلويثها، وكذلك: احترام المواطنة الشاملة، كونها استحقاقاً من الدولة تمليه مبادئ العدالة الإسلامية.

12) لا يُلام الغرب عندما يقرأ أسماء الأحزاب المتطرفة من مثل “حزب الله” و”أنصار الله” و”الدولة الإسلامية” و”الاخوان المسلمون” وبقية أسماء تتمسّح بالإسلام، ومن ثم يحكم على ديننا من خلال ممارساتهم الشوهاء، وأفكارهم المتطرفة التي تعادي الحياة والإنسانية، وتظهر ديننا كمتوحشين. الوثيقة أشارت لهذا الأمر، وأفردت بنداً كاملاً لتبديد هذا الالتباس.

13) فقد شدّدت الوثيقة على أنه لا يُبرم شأن الأمة الإسلامية، ويتحدث باسمها في أمرها الديني، وكل ذي صلة به إلا علماؤها الراسخون، فالعمل الديني والإنساني المشترك الهادف لمصلحة الجميع يلزم تشارك الجميع دون إقصاء أو عنصرية أو تمييز لأتباع دين أو عرق أو لون.

14) لم ينس العلماء تأكيد المرجعية الروحية للعالم الإسلامي، حيث بلادنا قبلة الإسلام والمسلمين، ومصدر إشعاعه للعالمين برحابها الطاهرة في مكة المكرمة، وبالاستحقاق الكبير لقيادتنا السياسية، وما اضطلعوا به من خدمات جليلة للإسلام والمسلمين والإنسانية جمعاء.

15) أناشد أمين عام رابطة العالم الإسلامي د.محمد العيسى بألا ينتهي دور الرابطة في اصدار هذه الوثيقة فقط، بل لا بدّ لا بدّ من تفعيلها وابرازها للعالم، بما أسلفت سابقاً. من الظلم أن تنتهي مثل هذه الوثيقة التي تمثل جوهر الإسلام وسعته وشموليته دون أن يعرف مضامينها النبيلة والانسانية العالم كله.

16) متمنياً من معالي الأستاذ فيصل المعمر، وهو الذي ترك بصمة خالدة في ساحتنا الفكرية عبر مركز الحوار الوطني الذي أداره باقتدار وتمكّن؛ أن يقوم بدوره في مركز الملك عبدالله للحوار بين أتباع الأديان والثقافات، ويعقد ورش عمل مع الرموز للأديان الأخرى في العواصم الأوروبية، وتغطى إعلامياً بشكل كبير، لإبراز بنود الوثيقة التاريخية هاته.

17) ربما لا يدرك أهمية مثل هذه الوثيقة الذي قام بإعدادها 1200 عالم شرعي وشخصية إسلامية من 139 دولة، يمثلون27 مكوّناً إسلامياً من مختلف المذاهب والطوائف، وفي طليعتهم كبار مفتيّ العالم الإسلامي؛ إلا سياسي أو إعلامي أو مفكر، أو عالم شرعي يحاور القوم هناك، رأى ظلم العالم بالحكم على الإسلام من خلال المتطرفين وأحزابهم القميئة.

18) بصراحة، “وثيقة مكة المكرمة” من الانجازات التأريخية التي ستُكتب لرابطة العالم الإسلامي في عهد د. محمد العيسى، وكم كان جميلاً منظر الشيخ عبدالله بن بيّه وهو يقدّم الوثيقة لمليكنا الكبير سلمان بن عبدالعزيز، مع جمع العلماء المؤتمرين ذاك، لتأخذ مكانها اللائق في تأريخنا الإسلامي.

19) وإن أبديت ذهولي من دقة تنظيم رابطة العالم الإسلامي لإدارة أكثر من 1700 ضيف، فالشكر مستحق بصراحة للجنود المجهولين الذين كانوا خلف هذا الإنجاز، وأجدني أخص بالشكر وكالة العلاقات الدولية، التي اختارت الضيوف، ونسّقت البحوث، وأعدّت -بتميّز ودقّة- هذه الوثيقة الملهمة.. دوماً خلف كل نجاحات كبيرة؛ جنودٌ مجهولون، يعود لهم الفضل للنجاح، فتحيتي لهم.

20-20) من أجمل الرسائل التي رأيتها في المؤتمر، إعطاء الكلمة في البيان الختامي لإمامي مسجدي “نيوزيلاندا”، اللذين حضرا وألقيا كلمة غاية في التسامح والغفران، وأعطيا للعالم من هو إسلامنا الذي يحترم الآخر.. إسلامنا الذي يقدّم العفو والصفح وتمنّي الهداية على الانتقام.. بصراحة كانت ضربة معلم بتعبيرنا الإعلامي من القائمين على المؤتمر، وسبق أن طالبت باستضافة أهالي ضحايا المسجدين في برنامج خادم الحرمين الشريفين للحج، كلفتة منا بالوقوف معهم.

وثيقة “مكة المكرمة” جاءت في وقتها، ونحتاجها أمسّ الحاجة، في ظل هذه الهجمة على الإسلام، والتشويه الذي طاله، ولغة الاستعلاء وفشو العنصرية في العالم، و”الاسلاموفوبيا” الذي يتسرطن في مجتمع الغرب..

مثل “وثيقة مكة المكرمة” ستساعد بتخفيف ذلك، إن أفلحنا في ايصاله بشكل محترف للعالم والغرب بالتحديد.

6,009 total views, 1 views today

عن اللجنة الاعلامية

اللجنة الاعلامية

شاهد أيضاً

بدء أعمال الصيانة الدورية للكعبة المشرفة

الحدث بدأت قبل قليل، أعمال الصيانة الدورية للكعبة المشرفة، ونشرت الحساب الرسمي للرئاسة العامة لشؤون …

اترك تعليق - ( الاسم و البريد ) - اختياري