المقالات

عايض القرني “مُسَلطِنا”

الحدث : بقلم الكاتب : عبدالعزيز قاسم
إعلامي وكاتب صحفي

1) استمتع الحضور، واستمتعتُ بشكل شخصي أيّما استمتاع، بمحاضرة الشيخ عايض بن عبدالله القرني، مساء الأمس، في ديوانية الشيخ محمد السعيدي، وكانت بعنوان: “نصف قرن بين الأوراق”.
وكالعادة أبدع أبوعبدالله وأجاد، وحلّق بنا في سماوات الكتب والمؤلفين وتفضيلاته وذكرياته عبر مراحله العمرية.

2) يُعجبك في الشيخ القرني تلقائيته في الحديث، وتشعر أنه يحدثك أنت دون الناس، رغم وجود مئات أو آلاف معك، وهذه إحدى ميزاته العبقرية في الحديث، فلغة الجسد عالية جدا عنده، فوقتما يخطب أو يتحدث؛ لا تملك سوى الاستسلام أمام سحر حديثه، برقة صوته الذي يخفضه تارة، ويرفعه أخرى، مع ايماءاته وحركات يديه وعينيه..

3) شكرتُ لفتة الشيخ عايض تجاه مضيفه د.السعيدي، وهو يُشيد بكتابات الأخير وجهوده في الذود عن الوطن، وولاة أمرنا، والتأصيل الشرعي الذي يكتب به. وقال له نصاً: “اهجهم وروح القدس معك”، ونوهت في مداخلتي بالدور الوطني الكبير الذي يلعبه د.السعيدي في ردوده على المعارضين لبلادنا والمتحزبين.

4) وقلت في مداخلتي أن الشيخ د.السعيدي بات غصّة في حلوق أولئك المعارضين البائسين في تركيا ولندن، من الذين يعتاشون على المال القطري، للدرجة أن ديوانيته الأسبوعية أصبحت مرمىً لسهامهم، وهاجموها لمرات عديدة، بسبب أنها باتت منبراً وطنياً لدحض أفكار الارهاب والتطرف والتحزب، وتأصيل المنهج العقدي الصحيح.

5) قدّم الشيخ عايض بعض الوصايا في ثنايا ابحاره بنا بالأمس، وقال: “في عالم القراءة، الدقيقة الواحدة ثمينة، فلا تستهن بالدقيقة حتى في أوقات انتظارك. قد تقرأ كلمة يكون لها أثراً في حياتك”.
وقال: “ابتعد عن الكتب التي تملؤك شكاً في دينك أو تاريخك أو وطنك، فإنها تأخذ منك لذة الطمأنينة، ثم لا تقدم لك حلاً، وإنما تسلمك لنار الشك”.

6) وأمام جمعٍ كبير غصّت بهم حديقة منزل د.محمد السعيدي في مكة المكرمة، قال عايض القرني، الذي سلم من “طنطاويته” التي أخذتها عليه في مكاشفاتي معه قبل 15 عام: ” لا بد من أن تنوي الاستفادة وأنت تقرأ، لأن عدم استحضار قصد الاستفادة، يجعل قراءتك للكتب كقراءتك للواتس، كثيرة لكنها غير مثمرة”.

7) وقال: “نصف قرن بين الأوراق؛ علمت فيه أنه لا توجد وسيلة في العالم تملأ ذاكرتك بالمعلومات المُفيدة إلّا القراءة، فالقراءة هي الطريق الأعظم للسمو الديني والدنيوي”.
وقال أيضا: “كتاب العواصم والقواصم لابن الوزير؛ من أجلّ الكتب وأكثرها نفعاً في حراسة العقيدة، وأوصي به الشباب. ومؤلفه توفي في مطلع القرن التاسع، وكان زيدياً معتزلياً، وترك ذلك ورجع لمذهب السلف”.

8) بعد انتهائه، ولا وددنا أنه سكت، أكرمني د.السعيدي بمداخلة، قلت فيها بأنني في صميم الساحة الفكرية المحلية من 30 عاماً، ولم أرَ شيخاً أو أديباً أو مثقفاً تناوشته الأقلام ولاكته الألسن، كالشيخ عايض، فله في كل عام لقاء مدوٍّ، ينزل كقنبلة في الساحة، يختلف الناس على مضامينها، وعندما تهدأ العاصفة، إذا بشعبيته تزيد، ومحبته بين الناس تكبر، ويرفعه الله.

9) أضفتُ بأنني أعرف عميقاً معظم الشخصيات الفكرية والثقافية الفاعلة في الساحة من سنوات فارطة بسبب موقعي الاعلامي، وتعاملي المباشر معهم، وللشيخين السعيدي والقرني مواقف وطنية مشهودة، ونوّهت بأن القرني رغم اشتغاله بالعلوم الشرعية وشغفه بها، إلا أنّ في صميمه الأدب والشعر، والشرعي فيه غطّى -بقوة- وقمع الشاعر والأديب.

10) قلت أنّ من ميّزات شخصية عايض القرني شجاعته الأدبية، وجهره بما يعتقد بصوابيته، وكذلك رجوعه للحق إن تبيّن له، وربما آخر ما حصل له، اعترافاته بأخطاء الصحوة، التي أقامت الدنيا عليه، ولكنه كعادته كان شجاعاً، وتلقّى كل ذلك الهجوم عليه بصدر رحب، وأكبرت له تلك الاعترافات، خصوصاً أنه كان أحد الفاعلين فيها.

11) ذكرت له حادثة معي (أظنها في عام 2005)، إبان اشرافي على ملحق الرسالة بصحيفة المدينة، ذلك أن فترةً أصابته، وضاقت نفسه، فأرسل لي بقصيدة شعرية هائلة، نشرتها في صفحة كاملة لروعتها، قال فيها باعتزاله الدعوة والناس، وانكفائه في بيته، وأحدثت القصيدة ضجة كبيرة في أوساط الدعاة، وكانت حديث المجتمع والنخب.

12) أتذكر أن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان -حفظه الله وسدده- استدعاه، وكان أميرا للرياض وقتها، وطلب منه العودة للدعوة والكتابة، ولبّى الشيخ عايض له، وكتب قصيدة طويلة، يعلن فيها عودته عما انتواه من اعتزال الناس والدعوة. تلك الحادثة من المواقف التي لا أنساها، وطبعا -كاعلامي- كنت حفيّا باعتزاله ورجعته، لأنها زادت مبيعات الصحيفة.

13) من المواقف الشخصية لي مع الشيخ عايض القرني، أنني استضفته في برنامجي الفضائي، وكان البرنامج مباشراً على الهواء، ومن ميّزات أبي عبدالله أنه يتصدّى ويتكلم في المسألة المعقدة بحديث بسيط عفوي، بأسلوبه السهل الممتنع، وبخفة ظل فطرية، فتناول موضوع الحلقة بتعليقات طريفة، ما جعلني أنفجر ضحكاً على الهواء.

14)وبدلا من أن يتوقف، ويخفّف عليّ، زاد من تعليقاته الساخرة، لأدخل في حالة ضحكٍ متشنجة، تصيب الواحد منا، فلا يقوَ على الحديث ولا فعل أي شيء، وكان الشيخ وقتذاك “مُسَلطِنا” بتعبير أهل الغناء، وفي حالة مزاجية عالية، فدخل في جوٍّ من التعليقات الطريفة المتتالية، ولا تسل عني وحالتي في نوبة الضحك المتشنجة.

15) المخرج قام مباشرة بإغلاق مايك الميكرفون عني، كي لا نفتضح بضحكي العالي، وأشاح بكاميرته عني إلى الشيخ الذي يزيد -بلؤم أخوي- عليّ من تعليقاته، واستمر سادراً في طرائفه، لما يقرب من 3 ل 4 دقائق، وهو وقتٌ طويل، والمخرج يصرخ فيّ بالميكرفون: ايه ده اللي بيحصل منك يا أبو أسامة!! اهدأ بقى..

16) ما اضطر المخرج في الأخير أن يقطع البث بإعلان، حتى دون أن أعلن، بما هو معتاد، وأعطوني ماءً بارداً لأشربه، وأنا ألوم الشيخ، وهو شامتٌ فيّ، هازلٌ بي. ولسان حاله: أردت توريطي، والخروج بخبطات إعلامية، فرددتها لك.
تلك من ذكرياتي الطريفة في مشواري الإعلامي، من تلكم الطرائف والمواقف الحرجة التي تحدث لنا.

17) بذات الأمسية، سألت الشيخ عايض القرني عن سبب ذيوع وانتشار كتابه “لا تحزن”، فأينما يمّمت في بلاد الله، وطُرح اسمه في الحديث عرضاً، إلا وكتابه الشهير هذا، يكون مادة الحديث، فخمّنت أن ثمة خبيئة بينه وبين الله، ليروج بهذا الشكل المذهل، ولحدّ علمي أنه لا يوجد كتاب سعودي؛ طُبع واشتهر وترجم للغات عدة مثل هذا كتاب “لا تحزن”.

18) الكتاب الذي نتحدث، طبع منه 30 مليون نسخة، غير الطبعات غير المأذون لها، ولا أدري عن الطبعات المترجمة باللغات الأخرى، وعلّق الشيخ القرني بأن ليس له من عوائدها شيء. فخمّنت أن هذا ربما كان أحد بركات الكتاب، وذكر الشيخ عن أحاديث له مع ملوك ورؤساء دول قالوا له بقراءتهم للكتاب، وكيف أنه سرّى عنهم.

19-19) ختم الشيخ السعيدي الأمسية بشكره لضيفه الكبير عايض القرني، ورجاه أن يعود أخرى في محاضرة بعنوان: “أسفارُ الأسفار”، يحكي فيها ما رآه وأفاده من سفرياته المتعددة لدول العالم. تذكرت ما حصل له في الفلبين، وقلت وتلك حادثة لا بد من الاستماع لأبي عبدالله فيها، وهو الذي رأى الموت عياناً، وإنا على موعد معه.

مبادروة ملتزمون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق