المقالات

يدٌ مجهولة

يدٌ مجهولة

بقلم
الكاتب /علي محمد الشهري
قرابة مليوني متر مربع والتي هي مساحة مملكتنا العربية السعودية حيث تتنوع الثقافات واللهجات والعادات وغيرها كتنوع تضاريسها ، يجمعنا دين محمد صلى الله عليه وسلم ، ولا ولن يفرقنا إلا الموت بإذنه تعالى . وكل هذا التنوع لهو مدعاة للحمد والشكر أولاً ، ومدعاة للتطوير والنهوض بل وحتى التقدم ومجاراة الأمم التي سبقتنا . وحيث أن هذا التنوع الثقافي محمود ، وميزة قد نحسد عليها ، إلى أن ما نسير له على أرض الواقع لهو عكس ما نتمناه وننشده . درجت في الآونة الأخيرة ما يسمى بالشيلات وهي بدون شك فن يخص فئة معينة وقليلة من فئات المجتمع الكبير والعزيز علينا ، غير أن الملاحظ أن هذه الشيلات شلَّت بل وعطَّلت الكثير من المناحي الثقافية الأخرى ، وهذا بحد ذاته لهو مدعاة للإستغراب والتعجب ، فإن قلت بأنها أي الشيلات حيلة من خلالها يمكن تجاوز من يقولون بحرمة الغناء وبالتالي فهذا هو البديل الراجح الكفة عند الكثير ، أو أنها ثقافة مستوردة جاءت بها القنوات الفضائية التجارية الخليجية التي راجت في وقت سابق ، وفي كلا الحالتين لا يجعل منها بصمة دالة علينا جميعاً ، ما أفرحني أنها قوبلت بالرفض على الصعيد الحكومي المحلي غير أن هذا الرفض والمنع من وجهة نظري جاء متأخراً جداً ولم يعد من السهل اجتثاثها واستئصال أثرها ، فأغلب شبابنا اليوم أصبح يتنفسها ويضمأها . قبل فترة بسيطة كان لي حوار مع أحد المنشدين المشهورين محلياً والذي يستعد لطرح ألبومه الصوتي الثالث ، والذي لحن شيء من شيلاته ملحن مشهور جدا ومن الطراز الأول في التحلين عربياً، وفاجئتني كمية الجهل الثقافي الفني الذي يحملها بين جنبيه ، حاولت جاهداً حينها أن أضع في يده شمعة ، لكنه أبى إلا أن ينشد في الظلام فتركته ومضيت . الحقيقة لا أعلم من أوجه له التهمة ، هل أقول بتقصير وزارة الثقافة والإعلام ؟ أم أنها مؤسستنا الدينية التي رضيت بفناء ثقافتنا جمعاء معتمدين بذلك على مبدأ التحريم الذي يراه بعضهم وينفيه البعض الآخر ؟ أم أن هناك يد مجهولة لا تريد بنا خيراً ولا نعلم ماهيتها إلى اللحظة ؟ 
السامري ، والمسحباني ، والناقور ، والزامل ، والرزفة ، والخطوة ، واللعب  ، والعرضة بأنواعها ، والمجرور ، والينبعاوي ، وغيرها الكثير والكثير ، كل هذه الفنون الصوتية الجميلة والنادرة بجمالياتها الموسيقية واللحنية أختفت بل واندثرت ، وأصبح الفنان أو المغني في هذا اليوم لا يعلم عنها إلا من ندر  ، وهذا ألَّا علم بالشيء ينفي عنهم لقب فنان بل ويجرده حتى من الجمال الإنساني ، لأن من شروط الفنان ليصبح فناناً أن يكون مثقفاً ، ومن لا يعلم بماضية الثقافي لا يستحق أن يشار له ويجب أن ينبذ بدل أن يحتفى به . يا ترى كيف عرفت بالمجرور والسامري والزامل وأنا ابن النماص ؟! 
ببساطة كان هناك فنانون حقيقيون أوصلوا لي هذه الثقافة بكلمات مليئة بالشجن والصور الشعرية والبلاغية الراقية ، فضلاً عن جمال وعذوبة أصواتهم . 
رحم الله من مات منهم وأسكنه فسيح جناته ، وغفر الله لكل من جمعنا على الحب والسلام والجمال ، ورفع الله منزلة من سيعيد لنا إرثنا وماضينا الجميل بكل مافيه من عذوبة وخير ووئام . 

 

مبادروة ملتزمون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق