المقالاتشريط الاخبار

دعوني أصافحكم في العيد..

الحدث- بقلم الكاتبة/ وسيلة الحلبي

دعوني أصافحكم في العيد.. وأهنئكم بمقدمه السعيد، فالعيد طفل بريء مدلل نقي صفحة بيضاء، وعجينة طرية لينة نشكِّلها حيثما وكيفما نريد ومع ذلك يقولون: لقد (فقد العيد طفولته). ويعنون بذلك أن إحساسنا بالعيد تضاءل إلى حد كبير، وأن الروتين قد غلب على البرنامج الأُسري ليوم العيد.. وأن آفة التكنولوجيا سرقت ما تبقى من المشاعر الإنسانية التي يفترض أن تجدد علاقات الناس بعضهم البعض.

دعوني أصافحكم في العيد.. لأن العيد مظهر السعادة والفرح والابتهاج بإكمال نعمة الصيام والقيام وتلاوة القرآن والزكاة، وقد شرع الله لنا نحن المسلمين طرقاً للتعبير عن هذا الفرح بإقامة ذكر الله والتكبير.

 وأيام العيد هي أيام حمد وشكر لله تعالى وقد وجب فيه إطعام المحتاج وإعانته مما يغنيه عن السؤال يوم العيد.. وتلتف العائلة فيه بمحبة ومودة وتوزع فيه الهدايا والعيديات على الكبار والصغار.. ويخرج فيه الناس للمنتزهات والحدائق والزيارات وصلة الرحم وزيارة المرضى ومعايدة كبار السن

فالفرح في العيد مشروع ومن مظاهر الفرح التّجمل له، والسرور به واستشعار مكانته ومدلولاته، وتميُّزه عن أعياد غير المسلمين.

دعوني أصافحكم في العيد.. لأن الكثيرين منا يشعرون أن الفرح بالعيد قد تضاءل عن السابق بسبب التباعد الروحي بين الناس وانشغالهم بأمورهم الخاصة، وبسبب الماديات التي طغت عليهم وأفقدتهم لذة العيد والفرحة به، وساعدتهم على الهروب والسفر. والتكنولوجيا ووسائل الاتصال الحديثة أبعدت الناس عن تبادل الزيارات والتهاني عن قرب..

لذلك أدعوكم للمصافحة في العيد لأنها تقرِّب النفوس وتزيح الخلافات والأحقاد وتشعر المرء بإحساس جميل ذي معنى وقيمة. فوسائل الاتصال الحديثة جعلتنا لا نخسر الإحساس بالعيد فقط، بل نفقد معانيه وقيمه السامية ورموزه الكثيرة التي تحث على صلة الرحم والرأفة والمودة والتّقارب الأُسري والوصال العائلي..

فتضاؤل إحساس الناس ببعضهم البعض أصبح ليس فقط في العيد، لكن في الأيام العادية أيضاً. وأصبح ذلك يؤثر على العلاقات الاجتماعية في المجتمعات.. أصبح الإنسان مشغولاً بنفسه ويلهث خلف هذه الدنيا باحثاً فيها عن المادة ناسياً قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} (13) سورة الحجرات.

فالعلاقات الاجتماعية اللأسف لم تعد بنفس الرابطة القوية التي كانت موجودة بين الأُسر، فأصبح التلاقي بينهم في حدود المناسبات فقط إن حصلت.

دعوني أصافحكم في العيد.. لأذكركم بأن تغير الإنسان بالعيد ليس وليد اليوم، لكنه نشأ مع الطفرة التي استولت على المشاعر وأنستهم المشاعر الحقيقية ودفنتهم بعيداً إلى حيث الذهب اللامع والبهرجة الزائفة دون التفكير بأقرب المقربين وهم الإخوة أحياناً، والعجائز في العائلة الواحدة ودون التفكير بالأحباب والأصدقاء والجيران وحتى بعامل النظافة، وعامل البقالة، وحارس المدرسة، والخباز، والمسحراتي…. إلخ.

 فقد تصدعت العلاقات الاجتماعية من جراء عدم التواصل وبسبب التباعد الحاصل بين الابن وأبيه، وبين الأخ وأخيه.. ناهيك عن الأصدقاء والمعارف.

دعوني أصافحكم في العيد.. لعلي أذكركم بأن مظاهر الحياة قد سرقت الفرحة والحب من القلوب التي أصبحت مثقلة بكثير من الاعتلالات، وبحث الإنسان عن ذاته الضائعة وسط ازدحامات القلق والتوتر والماديات حتى لم يعد لأي شيء طعم أو رونق أو لون.. فأصبحت النفس الإنسانية مبعثرة على لوحة الحاضر حتى نسيت بهذا التبعثر حلاوة مواصلة الأهل والأحباب ولذة الرضا والتسامح..

أصبحنا نحس بوجع الفراق، ومواجع الغياب والابتعاد، وفواجع صمت الأبواب المغلقة في وجه كل زائر للتهنئة بالعيد.. واستغراق أهلها في سباتٍ أو استسلامهم ليقظة إجبارية أمام التكنولوجيا الحديثة التي أصبحت تضيق منها النفس لما تسببه من حب للوحدة والابتعاد عن الآخرين.

دعوني أصافحكم في العيد.. علّي أذكركم أننا أصبحنا نختصر الزمن للتعبير عن عاطفتنا ومشاعرنا، رغم أنه من المفروض أن نعطيها مساحات أكبر وأوسع وأشمل لنوقظ إحساسنا بها، وضمائرنا النائمة والغافية على عتبات النسيان.. لتوقظ فينا لقاءات الوئام والالتزام بأخلاقياتنا المثلى وعاداتنا وتقاليدنا والمحافظة على وشائجنا العريقة لتوقظ فينا قدسية العيد، ومكانتها الدينية والاجتماعية وليعود الفرح والألفة إلى النفوس والقلوب..

وبعد: العيد.. فرحة وإحساس جميل بالآخرين…العيد.. ابتسامة في القلب وفرح لا نهاية له…. العيد.. قدرة على إسعاد الآخرين ومشاركتهم تلك اللحظات…العيد.. فرح الأطفال.. وفرح العجائز.. ولهو الشباب…العيد.. مسح دمعة.. زرع ابتسامة.. لمسة حنان…العيد.. حبة حلوى من القلب.. فستان جميل.. هدية رائعة…. العيد.. طقوس احتفالات تعبِّر عن الفرح والسرور والبهجة…. العيد.. صلة الرحم والتوسعة على الأهل والأصدقاء والتراحم والتواد والألفة والابتسام…. العيد.. هو التسامح والاعتذار ونسيان الماضي المؤلم…. العيد.. هو السعادة ومجانبة الشقاء، هو يوم للوفاء والولاء والكلمة الحلوة والبسمة المشرقة.

العيد.. هو القلب المفتوح، والعقل المفتوح، والنفس المفتوحة للحياة والمودة بكل صورها وألوانها. العيد.. هو الجمال الروحي والنفسي والحسي وإعلان الحرب على الأحقاد والعداوات والمشاحنات وهو العدل مع النفس ومع الغير….

العيد.. في رضا النفس وراحة الضمير ورجاحة العقل…. العيد.. في الترابط الأُسري، وحب الوطن والولاء له.. ودرء الأخطار عنه…. العيد.. لو كتبت عنه بمجلدات لا أعطيه حقه على الإطلاق.. فهلا مددتم أياديكم لأمد يدي وأصافحكم.

لحظة دفء

دعوني أصافحكم في العيد..

وكل عام وأنتم بألف خير.. وعيدكم مبارك.

عضو الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الفلسطينيين

عضو اتحاد الكتاب والأدباء العرب

مبادروة ملتزمون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى