الدولية

الإيرانيون يعانون من تبعات الاضطرابات والعقوبات

في يوم شتوي بارد، تلمع الثلوج على قمم الجبال فوق مدينة طهران، ولكن في شوارع المدينة وطرقاتها، يخيم التشاؤم على الإيرانيين مثل سحابة التلوث الثقيلة التي تغطي سماء هذه المدينة.

في هذا البلد الذي يرزح تحت عقوبات قاسية، وتهزه الاحتجاجات، وتتنازعه التوترات العسكرية مع الولايات المتحدة، يجد العديد من الإيرانيين صعوبة في إخفاء شعورهم بالتشاؤم.

تقول رنا التي تدرس البيولوجيا، أثناء مرورها في منطقة تجريش الراقية: “الحياة صعبة للغاية الآن. ولا يمكن توقع ما سيكون عليه الوضع”.

وفي هذا الجزء من المدينة لا تتقيد الشابات باللباس الذي تفرضه السلطات بالشكل المطلوب، فيرتدين المعاطف القصيرة، ويضعن على وجوههن الزينة العصرية، ويرخين على شعرهن أغطية لا تخفي سوى القليل منه، ورغم الحرية النسبية، تشعر رنا بأنها مقيدة.

تلوث وارتفاع أسعار
تقول الشابة الإيرانية: “نوعية الحياة ليست جيدة مطلقاً. فنحن نعاني التلوث وارتفاع الأسعار، والناس غاضبون”، وتشير كذلك إلى “الفجوة الهائلة بين طبقات المجتمع” و”عزلة” إيران المتزايدة.

ويعاني الاقتصاد الايراني بشدة بعد أن أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب انسحاب بلاده من الاتفاق النووي في 2018، وأعاد فرض العقوبات في حملة “الضغوط القصوى” على إيران.

وعندما رفعت إيران أسعار البنزين في نوفمبر(تشرين الثاني) الماضي، اندلعت احتجاجات في أرجاء البلاد وتحولت إلى العنف قبل أن تخمدها قوات الأمن، وقطعت السلطات الإنترنت بشكل شبه كامل.

وتصاعدت التوترات بين طهران وواشنطن في مطلع يناير(كانون الثاني) الماضي،  عندما قتلت القوات الأمريكية الجنرال الإيراني قاسم سليماني في ضربة جوية في بغداد.

وردت إيران باستهداف القوات الأمريكية، وأسقطت في الأثناء طائرة ركاب أوكرانية ما أودى بحياة جميع من كانوا على متنها وعددهم 176 شخصاً، في مأساة أثارت الغضب داخل البلاد وخارجها.

وتقول رنا إنها لا تزال تشعر بالحزن على ضحايا الطائرة، ومن بينهم العديد من الشباب الذين كانوا متوجهين للدراسة في الخارج.

أما المهندسة بيغاه غلامي، فقررت البقاء في إيران. وهي تتسوق حالياً استعداداً لزفافها بعد ثلاثة أيام.

تقول غلامي التي كانت ترتدي معطفاً أنيقاً، وحذاءً جلدياً طويلاً: “الوضع الاقتصادي الحالي في البلاد صعب للغاية خاصةً على الشباب”.

وتضيف “أشعر بالحزن لأن أصدقائي قرروا ترك البلاد. أنا إيرانية وقررت البقاء وبناء بلدي”.

على إحدى النواصي وقف عازف كمان وأخذ يعزف بآلته الموسيقية وسط ضجيج السيارات.

يقول الكهربائي بهرام سبحاني، إن كسب العيش أصبح أكثر صعوبة.

ويضيف سبحاني الذي أهمل لحيته، وبدا عليه التوتر، وخلا فمه من الأسنان تقريباً: “من الصعب العثور على عمل هذه الأيام”.

ويتابع، “لا شك أن العقوبات أثرت علينا، علينا تحملها لأنه ليس بوسعنا فعل أي شيء آخر. نحن نعيش في إيران وليس في بلد آخر”.

كما أثر الوضع الاقتصادي على نائب رئيس شركة دلهام تابيش لبيع الأجهزة التكنولوجية الذكية الإيطالية للمنازل الفاخرة، محمد رضا خادمي.

وتضررت شركته بعد تجديد العقوبات ما أدى إلى زيادة التكلفة ثلاثة أضعاف، وأجبره على التخلي عن 20 من موظفيه الـ30.

ويقول: “أواخر العام 2018 كانت مريعة، و2019 بأكمله لم يكن جيداً مطلقاً”.

ويضيف، “سأواصل إدارة شركتين. سأحاول إنشاء خط إنتاج محلي في ايران، ولكن التغيير صعب للغاية” مضيفاً “أنا غاضب من ترامب”.

تشاؤم
صحيح أن التشاؤم يسود بين أبناء الطبقة العليا والمتوسطة الايرانية، ولكنه أسوأ بين سكان المناطق الأفقر في المدينة البالغ عدد سكانها 8 ملايين.

في منطقة مولافي الجنوبية، تتكشف المباني ذات الطرازات المعمارية المختلفة، شبكة من الأزقة والمحلات التي يمارس فيها الحرفيون مهنهم القديمة.

ولا يُشاهد في الشوارع سوى عدد قليل من النساء يرتدي بعضهن التشادور، ويحمل العديد منهن الخبز الطازج.

يبدو الإرهاق على مهدي غولزاده الذي يستورد السلع من آسيا، أثناء توجهه إلى بقالته، ويقول: “أصبحت المعيشة في إيران صعبة للغاية. مع هذا الوضع الاقتصادي لا يمكننا استيراد أي شيء، وإيران لا تملك المواد” الضرورية لإنتاج مثل هذه البضائع.

ويضيف “أنا أعزب .. ولا يمكن لأحد بناء أسرة بهذا الدخل الضئيل. نشعر باليأس”.

أما أكبر غاريبفاند، وهو مالك متجر وأب لخمسة أطفال، فيقول إن دخله “لا يكاد يكفي للطعام والمعيشة اليومية”.

ويتابع “هذه العقوبات تؤثر على الأمور بكل تأكيد … والطبقة الدنيا هي التي تتعرض للضغوط”.

لكن، ورغم الصعوبات، يقول أن ايران “ليست بلداً سيئاً”، ويعتبر نفسه محظوظاً مقارنة مع سكان الدول المضطربة المجاورة.

ويقول: “نحن لسنا مثل العراق، وأفغانستان، وباكستان أو غيرها من الدول التي يحدث فيها قتلٌ يومي.. نحن أفضل لأننا نتمتع بالأمن”

مبادروة ملتزمون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى