الدولية

زيادة هائلة في الثروة الآسيوية بقيادة #صينية

تم توثيق صعود الصين في العقود الأخيرة بشكل جيد، لكن الحجم الكبير لارتقائها السلم الاقتصادي يظل مذهلا

في عام 1980 كانت الصين ثاني أفقر دولة في العالم، عند القياس بإجمالي الناتج المحلي للفرد من حيث تعادل القوة الشرائية، متقدمة على موزمبيق فقط

كان نصيب الفرد من الإنتاج السنوي 719 دولارا فقط (مقاسا بالدولار الأمريكي عام 2011)، أقل من أمثال بوروندي وبوركينا فاسو وإفريقيا الوسطى، وأقل من نصف الناتج في الكونغو الديمقراطية، وجزء من أصل 29 جزءا في الجابون وأقل من 1 في المائة من دخل الفرد في ليبيا، وفقا لبيانات من صندوق النقد الدولي

حين نتقدم بسرعة إلى الأمام أربعة عقود نجد أن الناتج المحلي الإجمالي للفرد في الصين على المقياس نفسه قفز 2400 في المائة إلى 17963 دولارا، وهو ما يكفي لوضعه في المرتبة 56 من أصل 140 دولة كانت لدى صندوق النقد الدولي بيانات عنها في عام 1980 (قائمة لا تشمل الدول التي جاءت خلفا للاتحاد السوفياتي ويوغوسلافيا وتشيكوسلوفاكيا، التي لم تكن قد سلكت طريقها المنفصل بعد)

الناتج المحلي الإجمالي للفرد في الصين الآن يفوق الناتج المحلي الإجمالي لنظيره في الجابون، وضعف مثيله في ليبيا، و24 ضعف الناتج المحلي في الكونغو الديمقراطية. خلال هذه العملية، تفوقت الصين على جنوب إفريقيا وإيران ولبنان والبرازيل وستتجاوز الأرجنتين والجبل الأسود هذا العام، وفقا لتوقعات صندوق النقد الدولي

صعود بكين إلى التصنيف العالمي هو جزء من توجه أوسع جعل عددا لا يحصى من الدول الآسيوية تصبح أكثر ثراء بالمعدلات النسبية وكذلك المطلقة

قفزت سنغافورة في التصنيف العالمي، مع ارتفاع نصيب الفرد من إجمالي الناتج المحلي من 20930 دولارا من حيث معادل القوة الشرائية في عام 1980 إلى 90470 دولارا هذا العام. كذلك حققت كل من هونج كونج وتايوان وكوريا الجنوبية تقدما كبيرا

ليس فقط نمور شرقي آسيا التي تم توثيق صعودها جيدا، هي التي حسنت مكانها في العالم. تقريبا كل بلد في جنوب وجنوب شرقي آسيا ارتفع ترتيبه أيضا. شهدت فيتنام وكوريا الجنوبية ارتفاع دخل الفرد أكثر من 600 في المائة منذ عام 1980

كانت ليبيا أكبر الخاسرين، إذ انخفض الناتج المحلي الإجمالي للفرد 90 في المائة إلى 8086 دولارا، بعدما تسارع انخفاضها عقب الحرب الأهلية عام 2011

من المؤكد أن نقطة الانطلاق في الدولة الواقعة في شمال إفريقيا كانت مضخمة بسبب ارتفاع أسعار النفط في أوائل الثمانينيات، وهي حالة شاذة دفعت نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي إلى الانخفاض خلال الأعوام الـ40 التالية

الدول غير النفطية التي شهدت انخفاض نصيب الفرد من إجمالي الناتج المحلي بالأرقام المطلقة على مدار 40 عاما تشمل هاييتي وجمهورية إفريقيا الوسطى ومدغشقر وبوروندي وجامبيا ولبنان

لكن المنطقة التي شهدت أكبر تراجع حاد منذ عام 1980 هي أمريكا اللاتينية، مع تراجع كل بلد تقريبا إلى مستويات أدنى في التصنيف العالمي

تراجعت الأرجنتين 18 مركزا إلى 58، مستمدة الانزلاق الذي أدى إلى تراجعها من كونها عاشر أغنى دولة في العالم، على أساس نصيب الفرد، في عام 1913

البرازيل والمكسيك والإكوادور وباراجواي وبوليفيا وجواتيمالا والسلفادور تراجعت جميعها. أصبحت الأمور سيئة للغاية في فنزويلا لدرجة أن صندوق النقد الدولي توقف عن العد

فقط تشيلي خالفت الاتجاه، حيث ارتفعت 12 مركزا إلى المرتبة 49، بينما بقيت كولومبيا وأوروجواي دون تغيير

بالأرقام المطلقة ارتفع نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في الأرجنتين 16 في المائة على مدار 40 عاما، والبرازيل 28 في المائة، والمكسيك 35 في المائة، وهو أقل بكثير من متوسط الزيادة العالمية البالغ 94 في المائة

قال ألبرتو راموس، رئيس اقتصادات أمريكا اللاتينية في بنك جولدمان ساكس، إن محنة المنطقة ازدادت سوءا منذ عام 2014، إذ بلغ معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي أقل من 0.8 في المائة، أي أدنى من معدل النمو السكاني البالغ 1 في المائة “بالتالي الناس يصبحون أكثر فقرا”

أضاف: “بالدولار كان هناك انخفاض بين 20 و30 في المائة، وبالتالي فقدوا القوة الشرائية في الخارج”

الأسئلة الواضحة هي: ما الذي فعلته آسيا على الوجه السليم وأخطأت فيه أمريكا اللاتينية، وهل سيستمر هذا الانجراف القاري أم يبدأ في الانعكاس؟

يتفق المحللون الاقتصاديون على نطاق واسع حول بعض الدوافع الرئيسية، حتى لو كانت لديهم بعض النظريات المفضلة الإضافية الخاصة بهم

في تحليله الخاص للنمو في الأسواق الناشئة منذ أوائل التسعينيات، وجد لويس كويجس، رئيس قسم اقتصادات آسيا في شركة أكسفورد إيكونومكس، ثلاثة عوامل أوضحت كثيرا من الاختلاف في الحظوظ

الدول التي لديها حصة أعلى من التصنيع في الناتج المحلي الإجمالي ولدت نموا أسرع. هذا الأمر ينطبق بشكل مضاعف على الدول التي تصدر كثيرا من سلعها المصنعة

قال كيوجس لكي تتحقق فوائد التصنيع بالكامل “يجب إتقان التكنولوجيا محليا”، وهو ما يترجم إلى إنفاق كبير على البحث والتطوير، فضلا عن الابتكار

تحرز أمريكا اللاتينية نتائج سيئة في جميع هذه النقاط، إلى جانب جنوب إفريقيا، وهي بلد آخر سجل سقوطا كبيرا آخر في التصنيف العالمي، في حين كان أداء الصين وكثير من دول جنوب شرق آسيا أفضل

قال جييرمو تولوسا، المستشار الاقتصادي في شركة أكسفورد إيكونومكس المتخصص في منطقة أمريكا اللاتينية: “ما زلنا إلى حد كبير اقتصادات تعتمد على السلع الأساسية، متقدمين بفارق كبير عن متوسط الأسواق الناشئة الأخرى. لا تزال لدينا اقتصادات هي إلى حد كبير غير متطورة. نمو الصادرات من أمريكا اللاتينية غير مكتمل لأنه يعتمد على السلع. نمو الصادرات الآسيوية أكثر ديناميكية”

قال تشارلز روبرتسون، كبير الاقتصاديين في “رينيسانس كابيتال”، أحد البنوك الاستثمارية التي تركز على الأسواق الناشئة، إن كل بلد نجا من مصيدة الدخل المتوسط فعل ذلك “من خلال التصنيع والتصدير، وبالتالي اعتماد أمريكا اللاتينية (على السلع الأساسية) لا يساعد”

جادل تولوسا أنه حتى خلال أعوام الازدهار من عام 2004 إلى عام 2014، عندما كانت أمريكا اللاتينية تقود دورة السلع الفائقة، ظل “نمو الإنتاجية هو الأدنى من أي منطقة”، حيث كان النمو المرتفع نتيجة زيادة عدد ساعات العمل، وهي مشكلة قال إنها تنبع من انخفاض الاستثمار

وافق روبرتسون على ذلك قائلا “إنك بحاجة إلى استثمارات تزيد على 25 في المائة (من الناتج المحلي الإجمالي) للهروب من مصيدة الدخل المتوسط ولم تحقق معظم أمريكا اللاتينية ذلك”، على الرغم من أن هذه النسبة تصل حاليا إلى ما يقرب من 40 في المائة في الصين

الاستثمار الضعيف هو في حد ذاته نتيجة لانخفاض معدلات الادخار مقارنة بالأسواق الناشئة الأخرى، وهو ما ينسبه تولوسا إلى عوامل “ثقافية”. قال إن معدلات الادخار في القطاع العام منخفضة لأن أمريكا اللاتينية “قائدة العالم” في انتخاب حكومات “شعبوية” مبذرة

جادل قائلا: “في أمريكا اللاتينية جاءت الديمقراطية قبل الرأسمالية بفترة طويلة. في الدول النامية الأخرى جاءت الرأسمالية قبل الديمقراطية بوقت طويل. كانت تلك هي نقطة الضعف الخطيرة. كنا ديمقراطيين للغاية عندما كان الناس فقراء للغاية، لذلك كان هناك الحل المتمثل في مجرد توزيع الموارد على السكان، وهي موارد لم تكن موجودة. هذا أدى إلى مزاحمة الاستثمار المنتج”

ولاحظ تولوسا أن قلة الاستثمارات العامة جعلت المنطقة تعتمد على رأس المال من خارج المنطقة، لكن هذه التدفقات الخارجية “كانت تأتي وتغادر اعتمادا على الظروف المالية”. بالتزامن مع اعتماد القارة على السلع الدورية بطبيعتها “جعل ذلك أمريكا اللاتينية أكثر عرضة للأزمات المالية”

نتيجة لذلك معدلات المدخرات الخاصة ضعيفة أيضا، حيث يعتقد كثير من الناس أن الأمر لا يستحق بناء المدخرات لأنها تختفي في كل مرة تحدث فيها أزمة وما ينتج عنها من نوبة تضخم (غالبا ما يكون التضخم المفرط)، وهو أمر لا يرى تولوسا أنه سيتغير “لعدة عقود مقبلة”

قال روبرتسون إن التأثير غير المباشر هو أنه في البرازيل، مثلا، بلغ متوسط أسعار الفائدة الحقيقية المعدلة حسب التضخم أكثر من 4 في المائة منذ عام 2013. من بين الدول التي لديها ودائع مصرفية تزيد على 60 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، آيسلندا هي الدولة الأخرى الوحيدة التي لديها معدلات حقيقية تتجاوز 2 في المائة خلال هذه الفترة، والهند هي الدولة الأخرى الوحيدة التي تتجاوز 1 في المائة

وجادل روبرتسون كذلك بأن “ما فعله الآسيويون بشكل جيد للغاية هو خفض معدلات الخصوبة لديهم”، وهو اتجاه يتيح للأسر توفير مزيد، وإنشاء نظام مصرفي أكبر، وأسعار فائدة منخفضة، ومعدلات استثمار أعلى، تتجاوز 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في كوريا الجنوبية وتايوان وسنغافورة

وذكر أن الصين وكوريا الجنوبية وتشيلي شهدت انخفاض معدلات الخصوبة فيها إلى ما دون 3 في المائة بين عامي 1975 و1980، بينما لم تصل الأرجنتين والبرازيل والمكسيك وكولومبيا إلى هناك إلا في التسعينيات، ما أعطى الآخرين فترة تقدم مقدارها 15 عاما

علاوة على ذلك، قال تولوسا إن “الحدود التي يمكن للسياسيين فيها التحرك في أمريكا اللاتينية أوسع بكثير من معظم الأسواق الأخرى”. مثلا، تعمل أسواق رأس المال الأكبر بكثير في آسيا على كبح التطرف السياسي

“ليس لديهم أشياء تثقل كاهلهم وبالتالي يتمكن السياسيون من فعل ما يريدون. ومع هذه الدرجة من عدم اليقين، سيكون الناس أقل استعدادا للاستثمار”

قال راموس إن الاقتصادات التي كان أداؤها أقل من غيرها في الأعوام الأخيرة هي الأرجنتين والبرازيل “بسبب التجارب الشعبوية التي انتهت بالألم”، في حين أن النمو في المكسيك منذ انتخاب الرئيس أندريس مانويل لوبيز أوبرادور، الذي غالبا ما يوصف بأنه شعبوي يساري” “كان أساسا صفر”

أشار روبرتسون إلى عدة عوامل إضافية لشرح خمول أمريكا اللاتينية. أحدها هو التعليم، حيث إن شرق آسيا لم يتفوق على أمريكا اللاتينية فحسب، بل اندفع مسافة أكبر بكثير إلى الأمام

عامل آخر هو الجريمة؛ 46 من الـ50 مدينة الأكثر دموية في العالم تقع في الأمريكتين (والأربع الأخرى في جنوب إفريقيا). وتساءل: “كم تريد أن تستثمر في بلد لا تشعر فيه بالأمان في الليل، أو حتى في النهار؟”

وجد تحليل أجراه زميله دانييل سالتر، رئيس استراتيجية الأسهم في شركة رينكاب، أن الدول التي نجت من مصيدة الدخل المتوسط تميل إلى أن تكون لديها مستويات عالية من الاستثمار، والتصنيع، والصادرات، ورأس المال البشري، والإنفاق على البحث والتطوير، وبراءات الاختراع، وطلبات البراءات، والبنية التحتية، واستهلاك الكهرباء، وانخفاض مستويات الزراعة، والتربح من الموارد، وعدم المساواة، والفساد، وتقلب النمو

على هذا الأساس، خلص سالتر إلى أن أمثال بولندا والمجر ورومانيا وماليزيا هي الأكثر ترجيحا من حيث الإفلات من هذا الفخ، في حين أن الأرجنتين والمكسيك وتركيا وروسيا وكازاخستان هي أكثر عرضة للركود وأن يتم تجاوزها من قبل الدول الأكثر فقرا مثل الصين والهند وفيتنام والفلبين وإندونيسيا وتايلاند

مبادروة ملتزمون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق