الإعلامي عبدالعزيز قاسمشريط الاخبار

*عبدالرحمن فقيه إذ يبكي!!*

بقلم : عبدالعزيز قاسم

اعلامي وكاتب صحفي

*1)* أكرمني الصديق والزميل الإعلامي رفقي الطيب بهذه الصور من عزاء العم الحبيببسام البسام يرحمه الله.

الحقيقة أنني كنت حريصا أن أصلي على العم بسام في الحرم؛ لحبّه لي وأبوته، وعزمتعلى حضور الدفن في مقبرة المعلاة بمكة، وأعدّت عائلة البسام لنا حافلة كبيرة تقلنا منجدة للحرم.

*2)* في الحافلة، شرفت بالجلوس بجوار الأستاذ عبدالرحمن الصباغ الذي قال بأنالشيخ عبدالرحمن فقيه أمامنا في سيارته الخاصة، وأنه كان ملازما لصديق عمره ورفيقمشواره العم بسام يرحمه الله، من الليل، وحضر غسله، ولم يترك العائلة أبدا، وها هومعنا في حضور الصلاة عليه ودفنه رغم تقدمه بالعمر.

*3)* فعلا، عندما اصطففنا خلف إمام الحرم، في تلك المساحة المتاحة لأهالي الأمواتالذين يُصلى عليهم؛ وجدت الشيخ عبدالرحمنفي تسعينيات عمرهعلى كرسيه المتحركبالصف الأول، وآثار الحزن العميق تملأ قسمات وجهه. صعّدت نظري تجاهه، وانثالتأسئلة عديدة تقول بأن الرجل في غنى عن التعب هذا بعمره المتقدم.

*4)* صاحَبنا الشيخ للمقبرة، وبعد انتهاء الدفن، واصطفاف الأبناء الأعزاء طارق ووليدوزياد البسام بعده بصفّ العزاء، إذا بالشيخ ساكنٌ وذاهلٌ على كرسيه، والدموع فيعينيه يتلقى عزاء الناس. مشهدٌ غاية في الدرامية والحزن، لم نملك إلا أن نتأثر لحاله ذاكفي عمره هذا، لأقول لنفسي أي حب وصداقة ووفاء الذي أرى!!

*5)* قمتُ بواجب التعزية، وانفلت للحافلة أنتظر أن يتكامل العدد، ونعود أدراجنا لجدة،وطال بنا الوقت ننتظر خروج الشيخ عبدالرحمن، الذي اكتشفنا أنه لا يود الخروج وبقييبكي كالأطفال على رفيق عمره، رغم خلّو المقبرة من المعزّين، وبالكاد أخرجوه، ولمحناهيتهادى بكل الحزن والألم والفجيعة.

*6)* كان بجواري في الحافلة الأستاذ محمد الفال، الإعلامي المعروف، وبادرني بقوله: يالهذا المشهد يا أبا أسامة!!

همهمت وأقول له: لولا أن الموقف غير مُوات، وليس من اللياقة والأدب؛ لالتقطت له صورة. الشيخ لا يودّ النزول من كرسيه كي يركب السيارة، متأبٍّ أن يغادر المقبرة، ومساعدوهيهمسون له وهو صامتٌ ذاهلُ البصر.

*7)* ساد السكون، وكلاناأبو أحمد وأنانتأمل في منظر الوفاء ذاك. الحزن حقيقيٌ غيرمصطنع، وألمُ الفقد متبدٍّ على الشيخ.

لم يك لدي تفسير أبدا لما أراه أمامي سوى ذلك الوفاء لصداقة امتدت ربما ل80 عاما. هتفت لأبي أحمد: يا لهذا المنظر!! يا لهذا الوفاء!! يا لهذا الجيل الذي عرف حقّ الإخوةوالمحبة والصداقة!!

*8)* ردّ علي الأستاذ محمد الفال: ربما يا أبا أسامة أن الشيخ شعر بالفراغ، بعد رحيل كلجيله من لداته وأسنانه، لذلك هو يبكي هذا البكاء الذي نراه.

كان والله درسا في الوفاء قدمه الشيخ عبدالرحمن فقيه وهو على كرسيه، متابعا حالةرفيق حياته، من ليلة وفاته حتى أصيل يوم دفنه، رغم عمره المتقدم.

*9)* يخبرني صديقي وليد البسام بأن الشيخ ليلة الوفاة، والعم بسام بين الحياةوالموت، يصيح بالأطباء تارة، ويرجوهم تارة، أن ينقذوا صديق عمره، وقال لهم افعلواجهدكم، ولو كلف الأمر من مليون لمائة مليون ريال سأدفعها، ولكن ابذلوا جهدكم، وأبقوهلنا. ورفض تماما أن يصدق أنه مات وهو يردد: لم يمت بعد.

*10)* بقية القصة التي لم أرها، ووصلتني من صديق، بأن الشيخ عبدالرحمن فقيه بعدتركه المقبرة اتجه إلى عرفات ومكث بها، والسبب أن تلك المنطقة كانت تشهد طلعاته معبسام البسام إبان اليفاعة والشباب، كانوا يتسامرون هناك، وبقي هناك في عرفات يبكيويتذكر مواقفهما وأحاديث الأسمار التي خلت.

*11)* مثلي يجلّ كثيرا مثل هذه المواقف النبيلة، ولا تعلمون أي أثر تركه عبدالرحمن فقيهبنفسي ذلك اليوم، وأي درس علمنيه في قيمة الصداقة والأخوة الحقيقية.

تتهاوى مثل هذه القيم مع أجيالنا عبر هذه المادية التي طغت على حيواتنا للأسفالشديد. من النادر أن تتكرر مثل هذه الأخوة والحب.

*12-12)* شكرا عبدالرحمن فقيه لهذا الدرس من الوفاء والأخوة والصداقة الحقة الذيقدمته في عمرك هذا لنا.

ستظل صورتك في نفسي ولن تفارقني؛ صورتك وأنت على كرسيك، تبكي رفيق عمرك، وقدمزقت منا نياط قلوبنا، وأدمعت أعيننا تأثرا، وضربت مثالا لحب أخوي نادر، سترويهاوتتناقلها الأجيال بعدك..

مبادروة ملتزمون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى