الإعلامي عبدالعزيز قاسمالمقالات

“كورونا” في يوم ميلادي اليوم صادف يوم مولدي، ومع أجواء الوباء؛ أتت هذه المقالة.

بقلم: عبدالعزيز قاسم :

صحوتُ اليوم، وكعادتي -في هذا الحجر المنزلي- أتابع أخبار “كورونا” وضحاياه عبر التلفاز، وحالما استويت على جهازي؛ اكتشفت أنّ هذا اليوم، الثاني من أبريل؛ هو يوم ميلادي.

المفاجأة بيوم الميلاد؛ حصلت لي العام الماضي، وكتبت تغريدات على إثرها، والحقيقة أنني من جيلٍ لم يعرف الاحتفال بيوم الميلاد، بل لا يأبه له، ولا يتذكّر عمره إلا عندما يُسئل، فيبدأ بالتذكّر والحساب، رافعًا عينيه للأعلى، ومقضّبًا وجهه ليتذكّر، عكس أغلب الجيل الحالي الذي يصرّ على الاحتفال به، وترى ابنتي الصغيرة جمانة، ذات الثمانية أعوام، تهمس في أذني، أنّ غدًا يوم ميلادها؛ لأفهم ما تريده حبّة القلب تلك: هدية من خلف والدتها التي لا ترى الاحتفال.

وإن كنّا في يفاعتنا نزيد أعمارنا كي نبدو رجالًا، وفي شبابنا لا نأبه بذكر العمر الحقيقي، إلا أنّنا في منتصف الأعمار التي نعيش اليوم؛ نهرع للحساب بالميلادي كي ننقص عامًا أو نصف عام، والبعض يلوذ للتورية كي ينقص خمسة أعوام، وتراه يلجأ لتقنيات التصوير في “السناب شات” وغيره، واضعًا تلك الفلاتر على وجهه، ليبدو أصغر سنًا.

لا عليكم، فلطالما تغنّى الشعراء بدخول الأربعين أو الخمسين أو الستين، ولطالما سرَد الفلاسفة والحكماء، ممن شابت لحاهم؛ ببركة المشيب، والرشد الذي يصاحب تلك المراحل العمرية، والحكمة التي تتلبّسهم، بيد أنني -بحقّ- لا آبه، مؤمنًا أنّ لكل مرحلة عمرية ميّزاتها، وبملامحها جمالٌ وألقٌ وروعة، والعاقل الحصيف من يفتش عنها، ويعيش تفاصيلها بكليّته، وينغمس بكل رضا في تلك المرحلة، غير شاكٍ ولا باكٍ على شبابه وماضيه.

خمسونَ.. تدفعكَ الرُؤيا فتندَفعُ
رفقاً بقلبكَ! كادَ القلبُ يَنخلعُ

هلّا استرحتَ؟! فأقرَانُ الصِبَا هَدأوا
هلا غَفوتَ؟! فأنضَاءُ السُرَى هَجَعوا

خمسينيٌ مثلي يُعيد قراءة قصيدة غازي القصيبي -يرحمه الله – عندما بلغ هذا العمر، ولا يملّ منها، لأقول لنفسي اليوم: خمس وخمسون عامًا لي في هذه الدنيا، ولربما ما أمضيته أكثر مما بقي لي، ما يجعلني أتذكّر في هذه الساعة المبكرة من هذا الصباح أولئك الساكنين القلب، وتأتي والدتي الأغلى في حياتي، يحفظها الله ويرعاها، وييسّر لي البرّ بها، بوضاءتها ونورها وبهائها أمامي.

“وينبض الماضي بداخلي، كما لو أنه قلبٌ ثانٍ”. من وحي هذا القلب بما يقوله فيلسوف غربي؛ ذهبتُ لأولئك الذين بقوا في ذاكرتي من أصدقاء الطفولة، عندما كنا نلهو ونلعب غير عابئين بالدنيا كلها، ككلِّ أطفال العالم، في تلكم الحواري الشعبية في مدينتي الأجمل الطائف. إليهم أنّى كانوا -وقد باتوا أجدادًا وجدّاتٍ- كلَّ الحبِّ والسلام والدعوات.

وإنّي لتَعرُوني لِذكرَاكِ هَزةٌ
لهَا بَين جِلدِي والعظامِ دَبيبٌ

وإن قالها الشاعر يستحضر حبيبته، فبعض ذكريات الماضي كذلك، في أزقةٍّ كنا نلهو فيها، أو مَلاعب كنا نتسامر بها، لأنّ تيك الأماكن عشقٌ، ومدينتي الطائف أولها.

تعرجُ بي ذاكرتي لأصدقاء المدرسة في ابتدائية “المغيرة بن شعبة” على ضفة وادي “وج” الشهير، أو متوسطة “المثنى بن حارثة” على سفح جبل “البازم”، أو ثانوية “ثقيف” على طريق “الشفا”؛ لأوجّه كلَّ التحايا لأولئك الصحب الأحبة أنّى كانوا اليوم، وللفضلاء من المعلمين الذين تركوا في نفسي عظيم الأثر، لمّا أزل أحتفظ في ذاكرتي الكليلة اليوم بأجمل مواقفهم وثناءاتهم وتربوياتهم التي غرسوها بحبًّ وتفان.

تجولُ بي الذاكرة إلى صحب الكرة، ورأيتني أجوب في ملاعب “الردّف” هناك، والمباريات الساخنة بين الحواري، والتي تعقب بعضها المشاحنات والمعارك بالأيدي، لنعود ونصطلح في ثاني يوم في هدنةٍ لا تصمد سوى أسبوع، وهكذا دواليك.. أبسمُ الآن ملء فمي، وأنا أتذكر صبيانيتنا تلك، وقد قضى بعضنا اليوم ورحل لربّه، وآخرون ابتلاهم الله بتلك الأدواء التي أقعدتهم، والباقون يواصلون ركضهم في هذه الدنيا.

صَحْبُ الكرة مغروسون في الذاكرة، وقد أمضينا أوقاتًا مع بعضنا أكثر مما قضيناه مع عوائلنا، وتمرُّ الذاكرة بي لنادي “عكاظ”، والدوريات الرمضانية الحامية في كرة القدم بفترة الثمانينات الميلادية، وأولئك المدربين الذين أشرفوا علينا، لتجوس في الذاكرة الآن بعضٌ من أمتع الذكريات لي، وتحايا من القلب أخرى، لكل أولئك الرفقة الأحبة أنّى كانوا.

تظل فترة الجامعة أزهى الفترات التي لو قيل لي اليوم وأنا في شرفتي العمرية هذه أن أختار أيّ مرحلة لأعود لها؛ لاخترتها فورًا.
بتلك المرحلة: النضج العمري، والتكوين الفكري، والاستقلالية عن الوالدين. هناك الفتوّة والقوّة والأنشطة ورؤية الحياة وذروات الإيمان. تحايا من القلب لتلك الرفقة، وشكرٌ خالصٌ لا ينتهي لأساتذتنا وموجّهينا.

وبقيت الثلة الأثيرة -من أصدقاء الجامعة- متماسكة ليومنا هذا، في “أحدية” شبه أسبوعية تجمعنا من ثلاثين عامًا، في إخوّة عميقة الجذور، ومحبة في الله لا تنقطع، ماضين بها لآخر أعمارنا إن شاء الله، فبعض الأصدقاء من العبث التفريط بهم، نعضُّ عليهم بنواجذنا لأنهم نادرون.. هؤلاء الرفقة منهم.

تمضي بي ذاكرتي في هذه السياحة -في يوم ميلادي- إلى صحب العمل، الذين يجيئون ويذهبون، منهم علامات مضيئة، تومض لي الآن وتحيّيني، ولربما اللهاث في تكوين العائلة، والكدّ والكفاح في الحياة بمرحلة الثلاثينات والأربعينيات؛ جعلت أعمار تلكم الصداقات قصيرة، إلا من فضلاء أحبّة ما زالوا معي للآن، مع إيمانٍ كاملٍ بأن أعمق الصداقات وأقواها هي صداقات اليفاعة والجامعة، ففي العمل تتداخل المصالح وتتضارب، وتأملوا كم فقدتم من صداقات كانت هي الأقرب لكم بسبب العمل أو المال!!

مرحلتي في الاعلام والفضائيات، والصحف التي مررت، ورؤساء التحرير الذين واكبت؛ هي قصة أخرى له ومضاتها واشراقاتها، وكم أمتنّ لنفر منهم، أتاحوا لي التألق في هذا الميدان، وأحسنوا الظن بي، وأكرموني بثقتهم الكاملة، ما زلت أحتفظ لهم بأروع المواقف، فلهم في هذا اليوم من القلب دعاءٌ وشكرٌ وامتنانٌ وحبُّ.
ويظلّ أستاذي الراحل د.عبدالقادر طاش منارةً مضيئة في حياتي، مع ذلك الذي فتح لي قلبه وباب داره، وأدخلني عالم الإعلام ثم انزوى لحياته؛ لهما كل الدعاء العميم والامتنان الأبدي.

هناك أناس لهم فضلٌ كبيرٌ عليّ، يمتد خيرهم ليومي هذا، ها هم يحضرون ببهاء أفعالهم أمامي، يُضيئون بنبلٍ لا يليق إلا بمثلهم، وأعرف أنهم يتهرّبون من أن أذكرهم، وعاهدت نفسي أنّ من كانت له يدٌّ عليّ، وجميلٌ طوّق به عنقي؛ أن أحفظه أبدًا، وأردّه له ما استطعت، والأيام تدور، ولا يدوم حال، بيد أنّ صنائع المعروف لا تضيع بين الرجال، وقلائد المنن التي علقوها تظلُّ على الدوام، تذكّرنا بجميل ما صنعوا لنا، سائقاً لهم هنا تلك اللوحة التي كان يضعها الوزير الكبير محمد سرور الصبان -يرحمه الله- في مكتبه، عليها عبارةٌ وُجدت في خزائن الاسكندر الأكبر: “حركات الأفلاك لا تبقي لأحد نعمة، ولا على أحد نقمة. فمن وُلي منكم أمراً؛ فلتكن همّته تقليد المنن أعناق الرجال”.

“لا تنسوا الفضل بينكم”، لم يكن التوجيه الإلهي للزوجين فحسب، بل لعموم الناس، وهو شعاري لكل الأصدقاء الذين اختلفت معهم وافترقنا، لهم كل الدعاء أنّى كانوا، فلا أحمل في ذاكرتي إلا جميل ذكرياتنا، لأن الذاكرة تكاد تمتلئ، وآليت ألا يبقى فيها إلا أيام الفضل بيننا، وما عداها فلسلّةِ النسيان التام، فلم يعد بالعمر متّسعٌ لغير الحب والسلام.

لربما وباء كورونا ذكّرنا بأنّ أعمارنا قصيرة في الحياة، والموت قد يتخطّفنا في أية لحظة، والحصيف من يخطّط لحياته بعد كورونا، ويؤمن بأن الدنيا لا تستأهل أن نقضيها في اللجج والكراهية والخصام واللهاث خلف المال، وأقسم بالله أنني رأيت أبناء بعضٍ من أولئك الذين أفنوا حياتهم في جمع المال، وقتّروا على أهليهم بما لا تتصوّرون، وحرَموا أنفسهم حقّها من الاستمتاع بمباحات الدنيا، وكدّسوا الأموال؛ ليأتي أبناؤهم يهدرونها على ملذاتٍ وحرام، لو عاشوا اليوم ورأوا مصير تلكم الأموال التي كنزوها؛ لماتوا ألف مرّة.

تعلّمت من كورونا بأن أكرّس حياتي المقبلة لما سينفعني زادًا في آخرتي، وبما لا أنسى نصيبي من الدنيا، وأن أبقى في صحة -جسدية ونفسية- مثالية، عبر الرياضة والغذاء الصحي، لذلك أية علاقة صداقة إن لم ترتد عليّ إيجابًا وراحةً نفسية؛ سأهرب منها هروبي من المجذوم أو المصاب بكورونا، ف “متعة الحياة أن تعيشها على طريقتك أنت، لا على طريقة الآخرين”.

وباء كورونا جعلنا نفاخر بدولتنا وولاة أمرنا، ولا أقول هذا تملقًا زائفًا، بل حقيقة من القلب أطلقها، وأنا أرى دول العالم حولنا كيف تصنع مع شعوبها، وبين ما تفعله لنا دولتنا، وهذا الحب الأبوي من لدن قادتنا -حفظهم الله- لشعبهم الوفيّ.

سيزول كورونا، ولا ندري ما يخبيء لنا الغد، بما يقول الجواهري العظيم:

تَجري على رِسلِها الدُنيا ويتبَعُها
رأيٌ بتعليلِ مَجراها ومُعتقدُ

أعيَا الفلاسفةَ الأحرارَ جهلُهمُ
ماذا يخبّي لهمْ في دفّتَيهِ غدُ

بيد أنني متفائل دومًا، وتشرئب نفسي للأمام، وتشرق روحي بالطمأنينة، وأسأل الله -في يوم ميلادي هذا- أن يحفظكم وأحبابكم وبلادنا وقادتنا وولاة أمرنا.

شكرًا كبيرة لأولئك الذين عبَروا حياتي، وتركوا أجمل البصمات ورحلوا لحيواتهم، ولمّا تزل الذاكرة والقلب تومضان بهم أبدًا.

مبادروة ملتزمون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى