المقالات

كائنات فنية

بقلم : مؤمنة فرفور 

 

عزيزي القارئ ، في حال رأيت أعمال فنية تحتوي على كائنات خرافية بنصف إنسان و نصف حيوان، كيف ستفسر ذلك العمل؟. في مقالي هذا سأشرح عن ما تعنيه الكائنات خرافية في الأعمال الفنية و المكونة من نصف إنسان و نصف حيوان في فترة ما قبل الميلاد و الفن المعاصر. تعتبر حضارة السومرية من أقدم الحضارات في العالم و تأثرت بها باقي الحضارات كحضارة الفرعونية، و الهندية، و الصينية، و الإغريقية، و الرومانية، و من أهم المنحوتات التي كانت في الحضارة السومرية منحوتة ” الثور المجنح”، و ظهرت عند الآشوريين. “الثور المجنح” عبارة عن منحوتة برأس إله و جسد ثور
و لديه أجنحة، و يمثل القوة و الحكمة و الحركة، أي أن جسد الثور يرمز إلى قوة الثور الهائلة، و الحكمة العظيمة تمثل في رأس الإله، و سرعة الحركة تمثل في الأجنحة. و قد وضع “الثور المجنح” على بوابات القصور و المعابد لحمايتها. عندما سئُل الفيلسوف و الكاتب العراقي ” مدني صالح”، و كان أستاذاً لمادة الفلسفة في كلية الآداب في جامعة بغداد عن “الثور المجنح ” في العصر الحالي ماذا يمثل له ، أجاب: ” لقد تحول رأسه إلى حاسوب، وجناحاه إلى طائرة، و جسمه إلى دبابة، تلك هي خاصية التواصل بين الحضارة الآشورية و الفكر المعاصر”. أما بالنسبة للحضارة الفرعونية فمن منا لم يسمع عن
” أبو الهول” الذي يحمل رأس إنسان و جسد أسد!. يرمز ” أبو الهول” على أنه يجمع بين حكمة الإنسان و قوة الأسد. يعتبر ” أبو الهول” حارس لمقابر الفراعنة في حياة الدنيا و يحميها في حياة الآخرة كما يظن الفراعنة. أما بالنسبة لتقديس الحيوانات في مصر، فلم تقدس بطريقة عشوائية بل بشكل محدد، على سبيل المثال: لم تعبد و تقدس كل الأبقار، و إنما كان نوع محدد من الأبقار يتم انتقاءها عن طريق مجموعة من علماء الفراعنة في ” بر عنخ ” أو “بيت الحياة”، وهو مكان يجتمع فيه العلماء في معابد مصر القديمة، و في حال تطابقت الشروط المطلوبة بدقة على البقرة يتم إعلان عنها بشكل رسمي بأنها حيوان مقدس، و بعد ذلك تُقام الاحتفالات العظيمة في معبد خاص بالإله، و في حالة وفاتها، يتم تحنيطها و دفنها في موكب عظيم. و من ضمن العقائد المصرية القديمة أن الإله يتجسد في كائن معين، فيمكن أن يكون الكائن حيوان، أو إنسان، أو خليط بينهما، و لا يقدس الحيوان لذاته و إنما لصفة من صفات الإلهية تجسدت فيه . و إليك عزيزي القارئ أمثلة عن بعض المنحوتات التي كان لها شأن عظيم لدى الفراعنة: ” حتحور” برأس بقرة و جسد سيدة، “تحوت” بجسد رجل و رأس أبو المنجل، ” حوروس” بجسد رجل و جسد صقر، “سمخت” بجسد امرأة و رأس لبؤة.
بالنسبة للحضارة الإغريقية، فقد اشتهرت بمنحوتات و رسومات لكائنات اسطورية بنصف إنسان و نصف حيوان، و من تلك الكائنات “القنطور”،عبارة عن جسد فرس بجذع و رأس رجل، و يعتبر من أهم الأساطير عند الإغريق، و تأثرت به الأعمال الأدبية و الفنية في العصور الوسطى، حيث اعتبروا ” القنطور ” كائن قوي و خارق .
اختلف الأمر بالنسبة للفنانين المعاصرين، فعبروا عن رسمهم لكائن بنصف إنسان و نصف حيوان بمعاني أخرى. إليك عزيزي القارئ بعض التجارب الفنية التي تطرقت إلى هذا الجانب من فنانين معاصرين. بالنسبة للفنان العراقي “سنان حسين”، فقد تأثر بالحضارة السومرية ، فعكس حالات البشعة التي تصيب الإنسان والتي تؤثر على من حوله بشكل سلبي كحالة الغضب، و العنف، و التدمير، و الضياع الروحي، و الانحلال الأخلاقي، و اعتبر وجهه الحيوان ما هو إلا قناع لإنسان عديم الأخلاق والمتجرد من الإنسانية، حيث يظهر ذلك الإنسان و كأنه يرتدي قناعاً بصفات وديعة للحيوان أمام الناس،
و عندما يكون بعيداً عنهم يقوم بخلع القناع لتظهر أخلاقه الحقيقية في سلوكياته و مخططاته الشيطانية، و كأن وجه الحيوان قناع مزيف يرتديه ليخفي كل الشر الذي يمارسه في حالة العزلة. و يعبر الفنان السوري ” حاتم الأحمد ” عن أعماله الفنية التي تحتوي على كائن بنصف إنسان و نصف حيوان بأنها تشبه لعبة ” التركيبات”، فعندما يقوم بإدخال عنصر غريب إلى عنصر آخر فإنه يخدم النظرة التعبيرية لعمله الفني، فلا يكترث كثيراً إلى النظرة الجمالية، ليعكس صفات الحيوانية الوحشية الموجودة لدى الإنسان الممارس للعنف و القتل و غيرها من الأفعال المشينة على من حوله. أما بالنسبة للفنان الكولومبي
” ليونِداس جالاردو Leonidas Gallardo “، فيعبر عن مدى تأثره بميثولوجيا الإغريقية، إضافة على أنه من مدينة
” بارانكويلاBarranquilla ” الكولومبية التي اشتهرت بكرنفالها السنوي و يعد ثاني أكبر الكرنفالات في العالم، و من أهم الاحتفالات الفلكلورية في كولومبيا و تعود بداياتها إلى أوائل القرن التاسع عشر. كانت الكرنفالات تشعره بالسعادة فعكسها على أعماله الفنية، فعندما يرسم رأس الحيوان على جسد الإنسان فإنه يتذكر الكرنفالات و الأقنعة التنكرية على أشكال الحيوانات التي كانت تشارك في حركات الاستعراضية والمسيرات الضخمة. و يقوم الفنان “جالاردو ” عادةً بمراقبة الشخص الذي يتحدث أمامه، فإذا لاحظ عليه صفة معينة من حيوان معين يقوم و يرسم تلك الصفة على شكل رأس حيوان الذي يمتاز بتلك الصفة بجسد إنسان. و عبر عن اعجابه الشديد لفلم ” صراع الجبابرة “Clash of the Titans، و اعتبره مصدراً للإلهام . و يوجد لهذا الفلم أكثر من اصدار. إذاً الكائنات الخرافية المرسومة و المنحوتة في فترة ما قبل الميلاد تختلف معناها عن المعنى في الفن المعاصر نوعاً ما، ففترة ما قبل الميلاد تعكس مبادئ عقائدية و فكرية، أما بالنسبة للفن المعاصر فجزء كبير منه يعكس بعضاً من الصور النفسية للإنسان و حالاته المختلفة.

 

مبادروة ملتزمون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى