نلهم بقمتنا
"كورونا" يُصيبُ صديقَ العُمر – منصة الحدث الإلكترونية
شريط الاخبارنافذة الإعلامي عبدالعزيز قاسم

“كورونا” يُصيبُ صديقَ العُمر

بقلم : الاعلامي و الكاتب الصحفي :

عبدالعزيز قاسم :

1) مع تقلّبات النوم في رمضان؛ صحوتُ ظهيرة هذا اليوم متثاقلًا، وكعادتي وقبل أن أثبَ من الفراش؛ فتشتُ في رسائل “الواتس آب”، وإذا برسالةٍ طويلةٍ من صديقِ عُمرٍ لي، وأحد الأخلّاء القلّة في حياتي، يكتب لي فيها أن الله تعالى قدّر له أن يصاب ب”الكورونا”، وأنه يحتسب ذلك عنده.
لم أستوعب أبدًا ما كتب صديق الغالي هذا، وأعدت قراءة الرسالة -بكلِّ فجيعةٍ وألمٍ- لمرات.

2) فززتُ من مكاني واثبًا، وأنا بين المصدّق والمكذّب، حتى استوعبت الأمر، وسجلتُ رسالة صوتية له، لا أدري للحظة كتابتي هذه التغريدات ما الذي قلته له! شعرت أنني المصاب والله، من فرط غلاوة هذا الصديق الحبيب. فثمة من معارفي أصيبوا ب”الكورونا” ودعوتُ لهم، بيد أنّ الهمّ والضيق والكدر والألم؛ لم يتلبسنني كمثل خبر صديقي وأخي هذا.

3) أستاذ الخلق والأدب حمد القاضي، وهو ممن تتلمذتُ وجيلي على مجلته العربية ومرافئه الدافئة، كان ولا يزال يختم كل محادثة لي معه، بقوله بالدارجة القصيمية الساحرة: “الله لا يبين غلاك”. كنت أتعجّب من جملته هاته، فكيف يقول بذلك؟! وأنا المُدلّ بغلاوتي، العارف مكانتي لديه. استعصتِ الجملة عليّ أن أستوعبها، ولمكانته وكارزميته في نفسي تحرّجت من سؤاله.

4) تجرأت بعدها وابتدرت أستاذنا حمد القاضي باستفهاماتي، وقلت له: يا أبا بدر، استعجم عليّ فهم جملتك، فكيف لا تودّ أن ترى غلاوتي التي أدلّ بها؟ ففسّرها لي أن جدّته -يرحمها الله- كانت تردّدها، وهو صغير السنّ هناك في عنيزة، وتعني بها ألا يُصيبك مكروهٍ فنتفجّع عليك، من مكانتك ومنزلتك وغلاوتك في القلب.

5) وأيم الله لقد صدق أستاذ الخلق والأدب ذلك، فقد عرفت معنى المثل اليوم أكيدًا وحادثة صديقي الحبيب هذا، الذي لم أهنأ مذ قرأت رسالته، بل لم أستطعم الإفطار البتة، وظللت متأوّهًا بضيقٍ وهمٍّ وضجرٍ كل هذه الفترة، وشريط ذكرياتي الممتدة التي تكاد أن تصل لأربعين عامًا، لم نغب فيها عن بعضنا؛ تُعرض أمامي، عبر لقاءاتنا ورحلاتنا وسفرياتنا، بل جفلت أن أتحدث معه، حتى لحظة كتابتي هاته الأسطر.

6) خفتُ أن تصله كل خلجات نفسي المتأجّجة ألمًا لما أصابه، ويخونني تجلّدي وتصبّري؛ فأزيد عليه الأمر، وهو الإنسان الرقيق سريع الدمعة. وما يزيد عليّ المسألة همّـًا؛ خوف انتقال العدوى لأهله وبناته وأبنائه، الذين هم بمثابة أبناء لي فعلا. سائلًا الله تعالى أن يحفظهم ويحرسهم بعينه التي لا تنام.

7) نسبة الشفاء تصل ل80%، والمسألة لأسبوعين فقط -إن شاء الله- ويعود لنا حبيبنا الغالي، ولكن البشرية تتقمّصنا في مثل هاته الحالات، فنضعف ونهلع ورحمة الله أوسع لنا، ولأرجوه تعالى أن يستثمرها، لتكون فرصة له أن يعيد ترتيب أولويات حياته، فما مضى من أعمارنا لربما أكثر مما بقي لنا. وآن لنا أن ننتبه لأحلامٍ لنا جميلةٍ؛ شحبت وغابت وانشغالنا وانهماكنا في الحياة.

8) “كورونا” أعطى البشرية درسًا لا يُنسى، فكل مختبرات العالم عاجزة للآن أن تصل للمصل، وهذا الفيروس الصغير أعجز الانسان الذي تباهى بوصوله القمر، وغزوه الفضاء، وغوصه لأعمق المحيطات؛ أنه لا يزال قاصرًا وضعيفًا، وها هي الدول تركع أمامه، وتعيد ترتيب نظامها من جديد، وستأتي عشرات الكورونا -بعده- تذكّرنا بضعفنا مهما وصلنا.

9) من لا يعتبر ويتعظ مما حصل من جائحة “كورونا” اليوم، ويُعيد النظر في فلسفة الحياة وحقيقة الوجود، والعلاقة مع الخالق، وترتيب أولوياته في الدنيا، وصياغة أهدافه وأحلامه وطرائق معيشته، واستمتاعه بالمباحات، وعلاقاته مع أبنائه وأسرته وأصدقائه؛ هو إنسانٌ أعشى البصيرة، غافل الادراك، ناقص الحكمة، ميّت القلب.

10) جبران خليل جبران قال: “الصديق الحقيقي؛ فرحٌ واحدٌ وحزنٌ واحدٌ يحمله قلبان”. هو ما شعرت به كاملًا اليوم وصديقي الحبيب هذا، وصدق الشاعر أبو إسحق العيني:

لَعَمْرُكَ ما شيءٌ مِنَ العَيشِ كلّهِ
أقرَّ لعيني من صديقٍ موافقِ

أُحِبُّ أخًا في اللّهِ ما صَحّ دينُهُ
وَأُفرِشُهُ ما يَشتَهي مِنْ خَلائِقِ

11-11) كل الدعاء لأخي المبتلى ب”كورونا”، وأسأله في هذه الليلة أن يحفظ أهله وبناته وأبنائه، وأن يجعل ما أصابه في ميزان أعماله، ورفقة لدرجاته.

ستقرأ هاته التغريدات أيها الحبيب، وعلى ثقة من شجاعتك وقوة إرادتك وإيمانك بالله، وستعود لنا قويًا شامخًا، نكمل مشوارنا في هذه الدنيا، ونلتقي في ظل عرشه يوم القيامة إخوة أحبّة.
كن قويًا بما عرفتك دومًا وأبدًا.

مبادروة ملتزمون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى