نلهم بقمتنا
"غوري".. وسمٌ أبديٌ أسود أيها الغرب* – منصة الحدث الإلكترونية
شريط الاخبارنافذة الإعلامي عبدالعزيز قاسم

“غوري”.. وسمٌ أبديٌ أسود أيها الغرب*

بقلم : عبدالعزيز محمد قاسم
12/09/2016
اعلامي وكاتب صحفي :

كرة اللهب والغضب ضد العنصرية تتطاير من الولايات المتحدة، وتصل باقي دول العالم، وواكبت الاحتجاجات مطالبات وحملات استهدفت تماثيل لشخصيات في التأريخ الأميركي والأوروبي؛ اعتبرها المحتجون صاحبة دور كبير في تكريس العنصرية والعبودية وتجارة الرقيق.

ومن أبرز التماثيل التي حطمها المتظاهرون في الولايات المتحدة تمثال المكتشف كريستوفر كولومبوس، ورئيس الولايات الكونفدرالية جيفرسون ديفيز، بينما في بلجيكا لطخوا تمثالًا للملك بولد الثاني في العاصمة بروكسل بسبب ماضيه الاستعماري في القارة الأفريقية، وقبل أيام أسقط المتظاهرون في بريطانيا تمثالًا لإدوارد كولستون أحد أبرز تجار الرقيق في تاريخ البلاد.

الغرب والرقيق من أفريقيا وصمة عار كبيرة، وقد زرت “جزيرة العبيد” في السنغال قبل أربع سنوات، وهي الجزيرة التي يجمعون العبيد بعد اصطيادهم، نعم اصطيادهم كالحيوانات، وحشرهم هناك، وكتبت هذه المقالة هناك في تلك الجزيرة، وكانت من أيام حياتي الأليمة التي لا أنساها أبدًا.

ولمن لا يعرف جزيرة “غوري”، هي باختصار: وسمٌ بالكلّاب المحمّر بالنار على إلية الرجل الأوروبي الأبيض وجبينه، لن يمحوه الزمن كعارٍ أبديٍ أسود.

أجوب هذه الأيام أدغال السنغال، برفقة الصديق الكريم الشيخ منصور نياز، مستشار الرئيس السنغالي للشؤون الدينية، واقترح على زيارة جزيرة تبعد عن العاصمة داكار 3 كيلوات، وفوجئت بالمجموعات السياحية التي تزور الجزيرة، وأخبرني في الطريق بأن جزيرة “غوري” التي نقصدها، بها “بيت العبيد” الذي بناه تجار الرقيق الأوروبيون عام 1776،

وكانت محطة يتجمع فيها كل العبيد الذين يسترقّهم الرجل الأبيض من قارة إفريقيا، ويصطادهم كما الحيوانات فعلا، بطريقة غاية في الوحشية، نساء ورجالا وأطفالا، ومن ثم يرحّلهم إلى أوروبا وأمريكا.

“بيت العبيد” عبارة عن قـلعة كبيرة بناها الألمان، وهو من طابقين يربط بينهما سلّمان في شكل قوسين، وثمة صورة معبّرة في المتحف لرجل إفريقي مكبّل بالسلاسل، جاثيا على ركبتيه يبكي، ومناشدا السيد الأبيض بهيئته الأرستقراطية تلك التي نراها في الأفلام، والرجل الأسود يصيح به: ألست إنسانًا مثلك؟
كنت أستمع لمدير البيت يشرح لنا عن الغرف العطنة التي نراها ونمر بها في الأسفل، والتي كانت زنزانات لتخزين العبيد. حجرات ضيقة لا تتجاوز مساحة الواحدة منها عشرة أمتار مربعة، وكان يُحشر في كل منها حوالي الخمسين شخصًا، دخلت حجرة الأطفال وتغشتني حالة من الغمّ والكدر، أتلمس تلكم الحجارة التي مضت عليها خمسة قرون، يا تراها لو تكلمت ما الذي ستقوله عما رأته؟! ، ولكأني أسمع – وأنا وحيد بتلك الحجرة الموحشة – بكاء الأطفال وهم يُنتزعون نزعا عن أمهاتهم اللاتي لهن حجرة أخرى، فيما البنات الأبكار في حجرة خاصة يحشرن فيها، فقيمتهن أغلى عند ذلك النخاس الأبيض القذر.

كان تجار الرقيق يبيعون الأطفال في مقابل مرآة صغيرة فقط، والفكرة التي سيطرت على الأسياد البيض إذ ذاك؛ اعتبار”العبد” لا روح ولا ضمير لديه، وأنه صالح فقط كي يعمل حتى الإنهاك، ولذلك كان يعاقب بأقسى أنواع التعذيب التي تفوق تعذيب الحيوانات، فما ثمة إلا السخرة فقط، والعمل بلا مقابل عند سيده الأوروبي الأبيض، وكان المعيار لذلك هو لون الجلد، فـ “بمقدار ما يزداد لون الجلد سوادًا؛ يقترب صاحبه من سمته الحيواني أكثر”، كما كتب جوزيف ندياي في كتابه (العبودية كما نرويها لأطفالنا).

عندما أرهفت سمعي لمدير البيت يشرح عن القصص المأساوية التي حدثت، وكيف كان الرجل الأوروبي الأبيض ينتزع الطفل من أمه ليرسله إلى تاهيتي، فيما الزوج كان مطلوبا في الولايات المتحدة، والزوجة إلى أمريكا الوسطى، وأن من تم نقلهم في تلكم الفترات يقدرون بـ60 مليونا من البشر، قضى 6ملايين نحبهم في الطريق ورموا في البحر؛ فوجئنا – في وجومنا الصامت ذلك – ببكاء وعويل سائح أمريكي من ذوي البشرة السمراء كان بيننا. هذا الأمريكي الأسمر لم يتحمل كل تلك القصص، وأبكانا معه في موقف إنساني صعبٍ علينا، فلم نتصور كل تلك البشاعة والوحشية من بشر تجاه بشر، وكان يقول: “أنا من ولاية جورجيا الجنوبية، وأجدادي مرّوا من هنا”.

مؤلف الكتاب الآنف نقل شهادة مكتوبة جرى حفظها عن تلك المأساة التي سربلت إفريقيا كلها. جاء في هذه الشهادة: “كانت الدموع تغسل خدودهم عندما كانوا يتبادلون النظرات، وكان البعض منهم يتأوهون بألم ويرفعون عيونهم نحو السماء ثم يثبتون أنظارهم إليها ويصرخون بأعلى أصواتهم. وكانوا يفصلون الأطفال عن أهلهم والنساء عن أزواجهن والإخوة عن إخوتهم. ولم تؤخذ بالحسبان الصداقة أو القرابة، وإنما كان ينتهي كل منهم حيث يقوده مصيره”.

قلت للأمريكي الذي بكى وأبكانا: “عد لبلادك، وتواصل مع جماعات حقوق الإنسان، واطلب أن يُجبر كل رئيس انتخب للولايات المتحدة للمجيء إلى هذه القلعة، ليعرف تاريخ بلادكم جيدا، وما فعله الأمريكيون العنصريون بأجدادك والبشرية، وليت هذا الطلب ينتقل لرؤساء فرنسا وألمانيا وهولندا والبرتغال، فهذه القلعة شاهد تاريخي يلاحق الرجل الغربي الأبيض للأبد، وما اقترفه من جرائم فوق الإنسانية”.

أمسكت بيدي الكلّابات التي كانت تُربط بأرجل أولئكم الأفارقة، وكثير منهم مسلمون جلبوا من مالي وجامبيا والسنغال، طالعت سلاسل الحديد التي تُطوّق أعناقهم بها،وتلك الكرات الحديدة الثقيلة التي تربط بأياديهم كيلا يفروا، وإن فعلوا هوت بهم في قاع الأطلسي. طالعت رسومات تصور أولئك المساكين الذين قاموا بالاحتجاج والتمرد، وكيف كان الأسياد البيض يتفننون في تعذيبه، وقتله سحلا وصلبا، كي يرتدع الآخرون.

من أبشع ما رأيت هناك؛ صورة شنق لإفريقي محتج، من وسط سلسلته الفقرية عن طريق كلّابات تغرز في وسطه إمعانًا في زيادة آلامه حتى يموت صبرا، يتجرع الموت ببطء وألم ليكون عبرة لغيره. هناك عقوبة تلقاها اثنان من هؤلاء المحتجزين في القلعة الآثمة، أرادا التمرد على وضعهما، وكانت عقوبتهما أمام جميع رفاقهما من العبيد هي وضعهما حيّين في فوهة مدفع، ثم إطلاقهما بالبارود ليتمزقا إربًا إربًا.

رميت ببصري تجاه المحيط الأطلسي بزرقته الغامقة، وأنا منتصب في بوابة “اللا عودة” وهذا اسمها، فقد كانت تلك البوابة في “بيت العبيد” آخر قطعة قدم يطأه هذا الإفريقي المأسور في قارته، ويشحن بعدها مكبلا في السفينة التي تمخر به للمجهول بلا عودة أبدا. قطع تأملاتي مدير البيت وهمس بأن بابا الفاتيكان الأسبق يوحنا بولس الثاني وقف مكانك هنا، وقدم اعتذاره لإفريقيا، لمعرفته بدور الكنيسة المعيب في تلك الفترة، ورصد ذلك جوزف ندياي في كتابه، وقال: “إن الكنيسة قد سمحت بل كرّست بشكل ما تلك التجارة المعيبة، وأسوأ من هذا أن الرهبانيات الدينية استفادت تمامًا من نظام العبودية”. وكان الفيلسوف مونتسكيو قد كتب عام 1748 في مؤلفه الشهير «روح الشرائع» الذي قال فيه: “من المستحيل أننا كنا نفترض أن أولئك المخلوقات ـ العبيد ـ كانوا كائنات إنسانية، ذلك أننا لو كنّا افترضنا أنهم كذلك، فكان سيبدأ الاعتقاد بأننا نحن لسنا مسيحيين”.

السينما الأمريكية تطرقت للمأساة عبر فيلم “الجذور” وهي رواية تاريخية ألفها أليكس هيلي ونشرت لأول مرة عام 1976. حاول فيها هيلي تتبع تاريخ عائلته منذ أحد أجداده والذي يدعى “كونتا كونتي “والذي استعبد واستحضر ليعمل كرقيق إلى الولايات المتحدة. هناك فيلم حديث بعنوان: “جانغو المتحرر من القيود” أنتج في عام 2012، وتقع أحداثه في الجنوب العميق في حقبة ما قبل الحرب الأهلية الأمريكية، وهي من أروع وأقسى ما صوّر معاملة هؤلاء العبيد.
طلبوا مني تسجيل كلمة في سجل الزيارة هناك في “بيت العبيد”، وقلت ما أعظم ديننا، عندما ساوى بين الجميع: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم}، أين هم من نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وهو يقول: “لا فرق بين عربي وأعجمي ولا أبيض ولا أسود إلا بالتقوى”، وها هم ضيوف الرحمن اليوم في المشاعر المقدسة، بأحاريمهم البيضاء، يستوون جميعا أمام المليك الحق، ولا يتمايزون إلا بالتقوى.

كان يوما حزينا في حياتي ذلك الذي زرت فيه جزيرة “غوري” بالسنغال، الدمعات التي تهاملت مني، والقلب الذي انقبض؛ إنما كان لأناس ذنبهم الوحيد أن الله خلقهم ببشرة سوداء، قاتل الله العنصرية وأهلها أنى كانوا.
———————–

مبادروة ملتزمون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى