الاقتصاد

المستثمرون يندفعون نحو الذهب في ظل الجائحة .. ملاذ آمن بعد اضطراب أسواق الأسهم

قفزت عقود الذهب للتسليم في شهر آب (أغسطس) 1.5 في المائة لتصل إلى 1779 دولارا للأونصة، وبذلك تسجل أعلى مستوى لها منذ ما يقرب من ثمانية أعوام.

ومنذ بداية العام حتى الآن ارتفعت أسعار المعدن النفيس 13 في المائة لتصل إلى أعلى مستوى لها منذ 2012. وتوقع بنك أوف أمريكا ميريل لينش بلوغ سعر الذهب 3000 دولار بحلول نهاية العام المقبل.
وما إن تتصفح أي صحيفة إلا وستطلعك على أخبار طيبة وإيجابية عن المعدن الأصفر وأسعاره، التي ازدادت بريقا خلال جائحة كورونا، حيث أثبت الذهب، وبما لا يدع مجالا للشك أنه الملاذ الآمن في أوقات الأزمات.
وقد يكون التحسن الراهن في أسواق الذهب والتوقعات بأن تستمر تلك الإيجابية لبعض الوقت أخبارا جيدة للمضاربين وتجار المعدن النفيس. لكنها بلا شك تعكس الأوضاع المزرية للاقتصاد العالمي، وفقا لآرثر دين المحلل المالي في بورصة لندن الذي يقول لـ”الاقتصادية” إن “اندفاع المستثمرين إلى الذهب ليس أكثر من تعبير عن اضطراب أسواق الأسهم، فتوقعات الركود العالمي تدفع إلى البحث عن ملاذ آمن للاستثمار، وإذا أخذنا في الحسبان أن معدلات الفائدة في عديد من الاقتصادات الكبرى في العالم تقارب الصفر، وتوقعات بأن يستمر هذا المعدل حتى 2022، فإن الذهب سيكون سيد الاستثمار في الوقت الراهن”.
لكن مسيرة الذهب منذ بداية جائحة كورونا حتى الآن لا تبدو بتلك السلاسة، فمع بدايات تفشي الفيروس، انخفضت أسعار المعدن النفيس، لرغبة بعضهم في تأمين موقفه بامتلاك أموال نقدية للتعامل مع الوضع الجديد، أو ربما للرغبة في اقتناص الفرص الاستثمارية التي يمكن أن تنتج عن الأزمة، ودفع هذا إلى انخفاض الطلب على الذهب والانحياز إلى العملات النقدية.
لكن مع مرور الأسابيع بدأت أسعار المعدن الأصفر في الارتفاع لتزايد الإدراك لدى المستثمرين بأن الأزمة ستطول، ولا بد من البحث عن ملاذات آمنة لأموالهم. واستقرت الأسعار في شهر أيار (مايو)، لكنها تراجعت في بدايات الشهر الجاري، لتعاود الارتفاع مجددا خاصة مع تزايد المخاوف بأن الدولار الأمريكي ربما يمر بأوقات عسيرة في المستقبل.
في ظل هذا المناخ المتقلب، التفاؤلي الاتجاه، المسيطر على أسواق الذهب حاليا، لا يزال بعض من كبار المضاربين يدعو إلى سلوك استثماري أكثر حرصا في ظل مخاوفهم تجاه المستقبل.
يقول لـ”الاقتصادية”، هاردي ألبوا أحد المضاربين على الذهب منذ ثلاثة عقود “التحسن الراهن في الأسعار قد يصطدم بتواصل الأزمة الاقتصادية، وهذا سيترك بصماته على كل من الأفراد والحكومات، فتراجع الدخل على مستوى الأفراد سيدفعهم إلى بيع جزء من مقتنياتهم الذهبية، كما أن تراجع الدخول سيدفع مستهلكي الذهب في الأسواق التقليدية كالصين والهند إلى خفض مشترياتهم من المعدن النفيس”.
لكن الخطر الأكبر من وجهة نظره هو قيام البنوك المركزية بالتخلص من جزء كبير من احتياطياتها من الذهب، وإن حدث هذا، فإنه سيصنع فائضا ضخما في المعروض في الأسواق بما يعنيه ذلك من انخفاض سعري كبير.
بينما يؤكد لـ”الاقتصادية”، هاردي بال الباحث في اتحاد السبائك في المملكة المتحدة، أن البيانات المتوافرة تشير إلى ارتفاع الطلب على الذهب في الربع الأول من العام الجاري، إلى 1084 طنا تقريبا، ولا يتوقف الأمر عند سعي المستثمرين إلى الأصول الآمنة، إنما جذبت صناديق الاستثمار المتداولة المدعومة بالذهب تدفقات ضخمة قدرت بـ298 طنا.
ويضيف “أسهم ذلك في زيادة الحيازات العالمية لدى تلك الصناديق إلى 3185 طنا، إلا أن تراجع الإنتاج الصناعي على المستوى الدولي أدى إلى انخفاض الطلب على الذهب المستخدم في المجال الصناعي بنحو 8 في المائة، ليصل إلى 73.4 طن، كما واصلت البنوك المركزية شراء الذهب بكميات كبيرة، وإن كان بمعدل أقل من الربع الأول من 2019، وبلغ صافي مشتريات البنوك المركزية 145 طنا، في الوقت ذاته، فإن إجمالي الاستثمار في العملات والقطع النقدية تراجع إلى 231.6 طن أي 6 في المائة”.
ويقول “إيضاح الصورة يجب أن يتضمن أيضا الإشارة إلى تعطيل إمدادات الذهب نتيجة انخفاض إنتاج المناجم إلى أدنى مستوى في خمسة أعوام 3 في المائة، ليصل إجمالي الإنتاج إلى 795.8 طن، وتوضح تلك الصورة أن البنوك المركزية لعبت دورا رئيسا في الطلب على الذهب”.
وبخلاف تقديرات هاردي ألبوا يتوقع بعض المصرفيين زيادة طلب البنوك المركزية على المعدن الأصفر خلال الفترة المقبلة نتيجة المخاوف من وقوع أزمة مالية أخرى بسبب الديون المتراكمة، ومع استمرار انخفاض أسعار الفائدة في الاقتصادات المتقدمة.
مع هذا يرى الخبراء أن أسواق الذهب ربما ستشهد في مرحلة ما، بعد انتهاء سياسات الإغلاق في معظم الدول الأوروبية، حالة من الاسترخاء، فنتيجة هيمنة لندن على تكرير الذهب عالميا، واحتكار زيورخ تخزينه دوليا، فإن المملكة المتحدة وسويسرا تشكلان معا قلب السوق الدولية للذهب من خلال قوانين الملكية المستقرة، وقواعد التجارة الحرة الثابتة في البلدين.
هذا الوضع المميز صنع حالة من الذعر في أسواق المعدن النفيس عندما فرضت المملكة المتحدة في 23 آذار (مارس) إغلاقا رسميا في الوقت، الذي قامت فيه ثلاثة من مصافي الذهب الأربع الكبرى بتعليق عملياتها، كما أن سويسرا ونتيجة سياسات الإغلاق لم يعد من الممكن خروج الذهب من أراضيها.
لكن هذا الوضع آخذ في التلاشي مع عودة الأمور إلى سياق شبه طبيعي، وهو ما سيترك أيضا بصماته على سوق الذهب خلال الفترة المقبلة.

مبادروة ملتزمون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق