نافذة الإعلامي عبدالعزيز قاسم

“توترة” المقالة والشعر والقصة

تغريدات: عبدالعزيز قاسم
اعلامي وكاتب صحافي

1) تويتر، لم يكتف فقط بأن أجبرني ككاتب، وغيري بالتأكيد من زملاء الحرف، أن أكتب بمعاييره. فالمقالة الطويلة التي كنت أكتبها قبل سنوات قليلة؛ بات لا يقرؤها سوى الأصدقاء من النخب، ومن له جَلَدٌ على القراءة من جيلنا ومن سبقنا، بيد أن الأمر ينقلب تمامًا عندما أكتب المقالة التويترية.

2) المقالة التويترية: نفس الطول، ونفس الأفكار، وذات الغرض والموضوع، ولكن المقالة تتجزأ ككبسولات، بما يجبرنا عليه تويتر. أجد الكثير من قرائي يقبلون عليها، ويقرؤنها كاملة، ويتجاوبون معها، ومن مختلف الأعمار ومستويات الثقافة. أمرٌ أكيدٌ أن تويتر فعل فعلته بإجبار أغلبنا على معاييره في الكتابة.

3) انفلت أغلب المثقفين والمفكرين نحو تويتر، واستمزجوا تمامًا أسلوب الكتابة التويترية، بل إن مفكرًا عملاقًا كأستاذنا عبدالله الغذامي؛ اعترض بقوة عندما زادت تويتر مساحة التغريدة من 140 إلى 280 حرفًا، فرؤية الكثيرين أن كبسلة الفكرة واختصار الكتابة؛ أليق وأنسب لذائقة العصر.

4) لا يقتصر الأمر فقط على الكتبة أمثالي وزملائي، بل حتى الشعراء الشباب الجدد؛ امتطوا القصائد التويترية، وباتوا يكتبون قصيدة كاملة مكبسلة في تغريدة واحدة. العجيب أنها تروج بشكل عريض، ويتناقلها حتى غير الملمّ بالشعر في قروبات “الواتس آب” ومواقع التواصل الاجتماعي، لسهولتها وعدم طولها.

5) شاعرٌ مجيدٌ ورائع كفواز اللعبون مثلًا، تروج قصائده بشكل واسع، ومعه محمد المقرن، والصديق العزيز عيسى جرابا الذي كنت أنشر له القصائد المطولة في ملحق “الرسالة”، دخل جيلهم في القصيدة التويترية، التي نالت قبولًا واسعًا لرشاقتها وعدم طولها، وكبسلتها الأنيقة، ونرى رباعياتهم في تهاني الأعياد والمناسبات والأحداث يتناقلها معظم شرائح المجتمع، حتى الكبار.

6) لذلك وجّهت دعوةً لبعض من أحب من الشعراء الشباب أن يمتطوا القصيدة التويترية، إن أرادوا أن تقرأ أبياتهم وتروج بشكل أوسع، ومواكبة الأحداث بالتعليق شعرًا بمعايير تويتر. الأمر ينسحب حتى للقصة القصيرة، ولا أدري هل سنستمزج القصة التويترية التي تلتزم ال280 حرفًا؟ تلك قصة أخرى!!

7) ويبقى السؤال: هل سيخلد هذا الشعر، وتلكم الكتابات، أم أنها عابرة تطوى مع رياح الزمن وتنتهي كفقاعة؟ بالتأكيد لا أملك جوابًا أكيدًا، بيد أنني أزعم بأن لكل جيل ذائقته الكتابية وأسلوبه الذي يفشو، ويحب أن يقرأه ناسُ ذلك العصر، وهذه الأساليب تأخذ مداها الزماني، وتأتي أخرياتٌ تزيحها، وتضعها على أرفف التأريخ، وهو ما سيكون حيال سطوة تويتر على كتاباتنا اليوم.

8) هل تتذكرون الموشحات الأندلسية، والمقامات النثرية، وتلكم الرسائل المليئة بالسجع والمحسّنات البديعية والجناس والطباق التي انتشرت في أدب العهد العباسي؟ من يقرأ لأدباء تلك المرحلة، ورسائل الخلفاء والملوك لبعضهم، حتى في عزّ الحروب بينهم، ليعجب من الأساليب البلاغية الرائحة وقتذاك.

9) كانت تبدأ بمقدمات مسجوعة وحِكم وآيات، تضجر منها ولمّا تصل للفكرة، غير أن إجابات الخلفاء والملوك على رسائل الولاة تكون مختصرة ومميزة، بما وقّع به هارون الرشيد إلى عامله في خراسان، وقد شكا سوء الأحوال: «داوِ جرحك لا يتسع»، وما وقّع به المأمون لوالٍ فاسدٍ: «قد كثر شاكوك، وقل شاكروك. فإما اعتدلت، وإما اعتزلت».

10-10) تلك الأساليب الكتابية أخذت وقتها، وتلاشت اليوم، واقتعدت مكانها في التأريخ، وهو ما سيحدث برأيي للكتابة التويترية أو القصيدة والقصة التويترية، وستأتي وسيلة تواصل اجتماعية جديدة أقوى منها، ستجبرنا على اتباعها، وآمل أن تتأخر، فلم يكد جيلي يتلاءم وكتابة تويتر، أتمنى أن تناقشوا الفكرة وتدلوا برأيكم.

https://twitter.com/azizkasem/status/1291298273169473536?s=19

مبادروة ملتزمون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق