نافذة الإعلامي عبدالعزيز قاسم

مباريات الحارة.. يا لها من ذكريات!! مقالتي اليوم؛ لا تصلح إلا لمن كان في الأربعين من عمره وأكثر، تتحدث عن أجواء مباريات الحواري إبان الطفولة والصفا، ولن يستمتع بقراءتها إلا لاعب حارة أصيل، يعيش تفاصيل تلكم المرحلة.

بقلم: عبدالعزيز قاسم
اعلامي وكاتب صحافي

“الطفولة عاصمة العمر”، لطالما ردّدت جملتي هاته في كثير من مقالاتي التي أستحضر فيها الذكريات، وأبدّا تحنّ قلوبنا، من بين مراحل العمر؛ لمرحلة الطفولة، وترانا نَشْدَهُ ونقف، إن مررنا على صورة تذكّرنا، أو مقطعًا مرئيًا بالأبيض والأسود، لمرابع تلك المرحلة. بل وعندما تشتد عليّ عوارض الحياة، تراني أوجه خطام “مقود” سيارتي إلى مدينتي الأجمل الطائف، ولا أنتبه إلا وأنا بحارتي الشعبية هناك في حارة البخارية بحيّ الشرقية، مترجلًا من سيارتي، أجوب تلكم الأزقة بكثير من التأثر والحنين، وتدمع العين، ويرقّ القلب، وأنا أتذكر لداتي وقتذاك، وقد فرقتنا الدنيا أيدي سبأ، وتقودني قدماي إلى السوق الكبير ومسجدي “الهادي” و”ابن عباس”، وأمضي الساعات -التي لا أدري كيف مضت- هناك، وأقفل راجعًا وأنا في مزاج عالٍ، وقد تبدّد مني الكدر، وتطايرت الهموم.
ما أجمل الأبيات الرائعة البديعة للشيخ عايض القرني، تلك التي تصف الطفولة، ولطالما أعود لقصيدته تلك أقرؤها بتمعّن وتأثر:

سلامٌ على عَهدِ الطّفولةِ إنّه
أشدُّ سُرور القلبِ طِفلٌ إذا حَبا

ويا بَسمةَ الأطفالِ أيّ قصيدةٍ
تًوفِّي جَلالَ الطّهرِ وِردًا ومَشرَبا

ما الذي دعاني لاستحضار مرحلة الطفولة التي بدأت مقالتي بهذه الحميمية؟ فأجأني صديق عزيز صباح اليوم بصورة كرة قديمة، كنا نلعب بها في جيلنا إبّان الطفولة في السبعينيات الميلادية، وانثالت للذاكرة مباشرة تلك المباريات الساخنة التي كنا نخوضها في أزقتنا الشعبية بمدينة الطائف ونحن أطفالًا، وأرسلت الصورة لقروبات أصدقاء من أسناني وجيلي، أطلب ذكرياتهم، وأمضينا أوقاتًا ماتعةً نطّارح الذكريات التي انسابت من ذواكرنا التي بدأت تشيخ.
أمضينا الوقت، ونحن نورد كثيرًا من أدبيات المباريات الساخنة التي كنا نخوض، وأجواءها التي عشنا، وبالتأكيد أنّ هذه الذكريات لن ينسجم معها إلا من كان في العقد الرابع وما فوقه، فهم من أدركوا تلك المناخات، وسأنحو بالمقالة الآن في غوص عميق لتلكم المباريات التي شكلت جزءًا من شخصياتنا إذاك، وأنا أتحدث عن مرحلة، نحن فيها أطفالًا وصبية، فهلمّوا في رحلة عن تفاصيلها وقوانينها، مؤملًا أن تجدوا فيها بعض ذكرياتكم أيضًا:

• دومًا صاحب الكرة هو المتحكّم في اللعب، يُدخل من يشاء ويُخرج من يشاء لأرض الملعب، بل والأطرف إن هُزم صاحب الكرة بعد مضيّ اللعب؛ يشتدُّ غضبه، ويأخذ الكرة وينصرف لبيته، ونحن نمطره بالشتائم ونصِفُه بالبخل وعدم المروءة، ونعود نتلاوم فيما بيننا أن أغضبناه، وأضعنا على أنفسنا فرصة لعب الكرة؛ هي الوحيدة المتاحة أمامنا -ممن نهوى- في سنوات العمر تلك.

• أيضًا ممن يتحكّم في اللعب، ويُخرج من يشاء ويقود فريقه؛ أمهر لاعبٍ فينا، خصوصًا إن كان يكبرنا، وهو مطلوبٌ بشدة من كلا الفريقين، وكان يُحسب باثنين من اللاعبين عند “التقسيم”، وطبعًا يصول ويجول فينا أثناء اللعب، ما نضطر لإيقافه عبر إمساكه من قميصه “فنيلته” أو ضربه مباشرة، ولطالما سالت الدماء -أتكلم جادًا- من أقدامنا وسيقاننا.

• كان ممن يتحكّم أيضًا في مباريات الكرة تلك؛ اللاعب الأكبر سنًّا. يأتينا بكل عنجهية، ونحن نلعب، ويصرخ نافخًا صدره: “ألعب وإلا أغلّص”، وهو يعني: “إما أنْ ألعب أو سأخرِب عليكم اللعب”، فنضطر مرغمين لإدخاله الملعب، ونحن نلعنه في دواخلنا، وننتقم بعدم تمرير الكرة له، حتى يضجر ويذهب.

• نأتي لتوزيع الفريقين، والعادة إن لم يكن الفريقان من حارتين مختلفتين؛ ينبري أمهر اثنين ليختارا واحدًا منا، ثم يختار الآخر. وأحيانا نلجأ للعبة “التقسيم”، وذلك أن يذهب كل اثنين بعيدًا، ويتهامسان باختيار اسم لكل منهما، مثلًا: “أسد ونمر”، فيأتيان -ويد كلِّ واحدٍ على كتف الآخر- ويقولان لقائد الفريق “الكبتن” الذي عليه الاختيار: “يا بِينْ يا بِينْ.. يا مَرحبتينْ.. تبغى الأسد وإلا النمر”، فمن يختاره يأتي لفريقه، وطريقة الاقتراع هاته ليست منصفة دائمًا، فأحيانًا يتجمّع المهرة كلهم في فريق، والضعفاء في فريق آخر، فتصبح المباراة سيرك أهداف.

• كان معظم لعبنا بأقدام حافية، حيث الأزقة ترابية وقتذاك، وأحيانًا يأتي البعض الموسر بجزم رياضية، فترى صديقه المقرّب منه يطلب فردة جزمة واحدة، ليلعبا بقدم فيها جزمة، والأخرى بدون، في ملعب صغير لا يسع سوى ستة لاعبين، ونلعب وقتها عشرين لاعبًا في وقت واحد.

• أقل من مرتبة الجزمة، ما كنا ندعوه “الإنْقِل”، فنلجأ لشرائه لمن لا يستطيع اقتناء جزمة رياضية أو أنه غير معتاد عليها، و”الإنقل” هو رباط صحي أصلًا لكعبِ ومشط القدم، ولكن كنا نلبسه كنوع من التمظهر وقتذاك، ونضع أنواعه على معاصمنا أيضًا أو ركبنا.

من الشروط قبل بداية اللعب أن نحدّد قوانين المباراة بهذه الأسئلة:

– “هل اللعب ظِفِرْ؟”؛ بمعنى هل يمكن ضرب الكرة بمقدمة القدم، لأن الركلة تكون قوية جدًا، وربما تُسقط الكرةُ اللاعب -وقتها نحن في جسومٍ غضّةٍ صغيرة- واللعب بالظفر يعني أنها لعبة كبار ومحترفين.

– “هل اللعب تكسير؟” بمعنى هل يُسمح بضرب اللاعب إن فات بالكرة، وذلك بركله وإعاقته وإيذائه عمدًا. طبعًا إن وُفق على هذا الشرط؛ تتحوّل المباراة لحرب عالمية ضروس، تنتهي غالبًا بعراك.

– “هل يُحسب الهدف الجدّاري؟”؛ بمعنى هل يُقبل الهدف إن أتى بواسطة ضرب الكرة في الجدار، وتلك الأيام نلعب في أزقة صغيرة، ولا بد من استخدام جدران المنازل، وثمة لاعبين مهرة يستعينون بالجدار، يضربون بها الكرة “يبنّط الكورة”، ويسجلون أهدافًا عبرها.

– إن كان عدد اللاعبين قليلًا، فنتوافق على أنّ آخر لاعبٍ يكون حارس المرمى، أي هو مدافعٌ وحارسُ مرمى في آن. وأتذكر هنا “حرامي الباب”، نخصص لاعبًا لا مهمة له سوى الوقوف عند باب الخصم مباشرة، فكل أفراد الخصم في ملعبنا، وبمجرد قطع الكرة، نركلها له، ويسجل هدفًا سهلًا، وندعو هذا اللاعب: “حرامي الباب”.

– وعلى ذكر حراسة المرمى، دومًا يكون من نصيب البدين منا، أسمن طفل أو فتى في الحارة هو عادة حارس المرمى، لأنه لا يستطيع المناورة والجري، فيبقى واقفًا هكذا كتمثال. يشارك هذا البدين حراسة المرمى: أغشم لاعب أو أصغرنا سنًا. لأن البقاء كحارسٍ؛ فيه نوع من الامتهان والدونية لشخصية اللاعب. وإن تكافأ أفراد الفريق؛ تكون الحراسة بالتناوب، وأسوأ اللحظات عندما يكون أمهر لاعب في الفريق حارس المرمى، وتكون تلك الفترة فرصة للفريق الخصم ليتسيّد، فنعود نرجو أو نلوم الغشيم أن يكون حارس المرمى في مقابل أن نعطيه حلاوة أو ايسكريم التوت بما ستعرفونه تاليًا أو نهدده بالطرد.

– طبعًا يُحدَّدُ حكم المباراة من خارج اللعب، وعادة يكون ممن لا يحب لعب الكرة، وينال منا الكثير من السباب، ونضطر لتغييره عدة مرات أمام احتجاج المهزوم، فيرمي الصافرة علينا، ويمضي أو أن يتسلّط صاحب الكرة ويقول أنا الحكم، وينحاز لنفسه وفريقه، أو الأكبر سنًّا، أو نتوافق على لاعب من الفريقين يتميز بالنزاهة، ولطالما ثار عليه فريقه، لأنه يحكم للفريق الخصم خشية اتهامه بالتحيّز.

– أما نوعية الكرة فتضحك منها، هل تتذكرون كرة “حليب نيدو”، تلك الكرة البيضاء الخفيفة التي سرعان ما ترتخي وتتحول لقطعة بلاستيك بمجرد ملامستها مسمارًا أو حتى نتوء باب. ومعظم كرات الحواري رديئة، سرعان ما تفقد استدارتها الدائرية، فتصبح منبعجة، ونقول عليها “كرة مُحبّلة”، ورغم ذلك نلعب بها، وإن عطبت وفرغت من الهواء “انفَقَعَتْ”؛ نلجأ لإدخال بالونة جلد دائرية ” لَسْتِكْ” ونفخها من داخلها، وتعود مرة أخرى كرة صحيحة ذات فتحة، ولكنها ثقيلة تؤذي أقدامنا الصغيرة.

– مما تستحضره الذاكرة، أننا إن أردنا تنفيذ خطأ “فَاوِلْ” أو ضربة جزاء “بَنَلْتِي”، لا بدّ أن نبرّح تحت الكرة، وننشئ كومة ترابية صغيرة، نضع الكرة فوقها، ليومكم هذا لا أعرف سببها، سوى أنها متوارثة وشائعة، أخمّن الآن لترتفع الكرة لأعلى.

– الأطرف في ضربة الجزاء، أن حكم المباراة يخطو 12 قدمًا؛ ليحدّد مكان وضع الكرة، ولا أدري ثانية عن سبب ال12 خطوة، ولربما إذا كان الملعب صغيرًا أن يكون مكان تنفيذ ركلة الجزاء في منتصف الملعب، وإن كان القانون يجيز اللعب ب”الظفر”؛ نركل ضربة الجزاء بأصابع القدم، وتكون الكرة قوية ومستقيمة.

– كان اللاعب الذي ينفذ ضربة الجزاء بعد أن يكوّم التراب، ويضع الكرة عليها، لا بد أن ينحنى أيضًا، نسميها بعاميتنا “يدنّق” ليرى أي زاوية سيُودع الكرة فيها، وهو من التمظهر الذي لا بدّ منه، دلالة على احترافيته وترهيب الحارس.

– تضحك على المرمى، الذي عادة يتكوّن من فردتي حذاء، ونعدّ أربع خطوات، ونضع بينهما الفردتين، وعادة يتبرع بالحذاء؛ الكريم منا، أو من كان حذاؤه قديمًا، أو إذا كان من النوع الرخيص “الزَنُوبَا”، وأحيانًا نضع طوبتين نختلسهما من عمارة تبنى في الحارة، أو نكوّم التراب، أو نضع مجموعة حجارة صغيرة.

– من أشهر أدبيات مباريات الحواري تلك: “هَدفَ المَغربْ بِعَشرَة”، وعادة يزعق بها الفريق المهزوم، لأن المؤذن نادى لصلاة المغرب، ولا بد من تفرّقنا، وإيقاف اللعب، والذهاب للمسجد. فينادي المهزوم بتلك العبارة، حيث تنتهي المباراة بذلك الهدف الذي يُحسب بعشرة أهداف، فإن كان الفريق المنتصر واثقَا من نفسه يوافق، وإلا يرفض، فيحسبها المهزوم عليه بأنك جبان لم توافق، ما يجعل انتصاره ناقصًا غير كامل.

– من أدبيات مباريات تلكم الحواري أيضًا، خصوصا إن كانا فريقان من حارتين مختلفتين أو فريقان متنافسان؛ أن يلجأ المهزوم أمام طقطقات وشماتة الفريق المنتصر إلى التعارك “المضاربة”، فتشهد تلك الملاعب صغارًا يتعاركون، كلُّ واحدٍ يمسك بتلابيب لاعبٍ من الفريق الخصم، يتبادلون اللكمات أو العضّ أو خربشة الوجه، وتتطوّر للرمي بالحجارة، وإسالة دم الرأس، وهذا الأخير ينال حظوة وبطولة ومكانة، ونقول: “والله بطل ..فَقَشْ راسو”، وتستمر المعركة، حتى يتدخل كبار السنّ ويفرّقون بينهم، ولا تمضي سوى أيام قليلة، ونحِنُّ للعب والمباريات، فنتصالح ونعود ثانية إلى اللعب بعد تقديم الاعتذار، ومن “فُقشِتْ” رأسه، يلعب معنا والشاش الأبيض ملتفٌ على رأسه، من طريف “فقشات الرأس”، أننا عندما كبرنا، أخذنا -زملاء جامعة- عمرة، وقمنا -تطبيقًا للسنّة- بحلاقة الرأس على الموس، فبتنا نعدّ لبعضنا عدد الدوائر التي خلفتها “فقشات” الرأس تلك، ونضحك ملء أفواهنا حدّ التشنج.

– أتذكر تمامًا أن صاحب الكرة يشرط علينا بعدم ركل الكرة عاليًا، كي لا تذهب لأسطح البيوت التي كان معظمها من دورٍ واحد فقط، فعندما يركلها اللاعب و”تتسَطّح” الكرة، هكذا كنا ندعوها، تُحسب عليه ضربة جزاء، أو يطرد من اللعب، ولكن العجيب أننا نتحوّل لقرود، وسبحان الله على البعض منا، كيف يتسلق بسلاسة الجداران العالية، وفي ثوان قليلة بدون مساعدة، ويذهب لإحضار الكرة، وإن لمَحنَهُ نساء البيت أو ربّ العائلة؛ تنقلب المسألة علينا كارثة، وترانا نهرب في كل اتجاه، ومصير الكرة التلف طبعًا، ومعظم الجيران متسامحون، ولا أزال أذكر الجارات الطيبات الحبيبات، اللواتي يسمحن لنا بالدخول لأخذ الكرة، أو الصعود للسطح، ولكن البعض النكد ممن ينزعج من صياحنا لا يصدق أن يستلم الكرة، ليخرمها بالسكين أمام حسراتنا وأعيننا الدامعة، خصوصًا صاحب الكرة، فنذهب لمواساته ببضعة قروش، مما وفرناه من المصروف، لا تفي العشرة ريالات التي اشترى بها الكرة.

– كبتن الفريق عادة، أو اللاعب الموسر الكريم في الفريق، يطلب من والدته أن تعمل لنا ايسكريم، ويكافئنا بها إن فزنا على فريق حارة مجاورة، ولا “باسكن روبنز” في طعمه بأفواهنا الصغيرة وقتذاك، الايسكريم موضوع في نايلون صغير بحجم اليد، صُبَّ من كوز “جَكّ” التوت المحلى، ويخزّن من الليل في “فريزر” الثلاجة، ونظل نمزمز فيها -بكل اللذة والاستمتاع- بعد أن قضمنا طرفها، ونظل في تلك المزمزة الماتعة حتى يذهب اللون الأحمر، ويبقى الثلج، وتضحك على أفواهنا ونصف خدودنا التي اصطبغت بلون التوت الأحمر.

– لا تسل عن ثيابنا التي كنا نلعب بها!! مَن يريد أن يوبّخ وينال قرصة محترمة، تتعلّم على جِلده، من ستِّ الحبايب “والدته”؛ يلعب بالثوب الأبيض، الذي يتحوّل مباشرة إلى اللون البنّي بسبب الأتربة، لذلك كنا نفضّل الثوب الملّون حتى في عزّ الصيف، لأنه يتحمّل الوسخ ولا يظهر عليه، ولكن نفتضح بالسراويل التي ندخل بها المباراة بلون أبيض، ونخرج بها بألوان يستحيل أن تميّزها من كثرة ألوانها والبقع التي فيها.

بعض الذكريات التي آمل منكم أن تزيدوا عليها، وترسلوها لي على الخاص، لأضمنها في كتاب “مذكرات ولد حارة”.

مبادروة ملتزمون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق