المقالات

حاضر الإشراف التربوي وماضيه في السنة النبوية :

منى العبدلي : القريات :

الإعلام التربوي إدارة التعليم بمحافظة القريات :
عند التفكير في الإشراف التربوي وارتباطه بالشريعة الإسلامية وكيف استمدت الأمة الإسلامية هذا المصطلح وهذا العلم من سنة الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم وكيف تجسد هذا العلم على يد معلم البشرية سيجد أن هذا العلم تمثل بشكل أو بآخر من خلال تعامله صلى الله عليه وسلم مع أصحابه في عدة مواقف ومناسبات .
كما أن الإشراف التربوي مصطلَحٌ حديث، لكنَّ لمضمونه جذورًا ممتدة في أعماق التاريخ الإنسانيِّ لكثيرٍ من الحضارات التي اهتمَّتْ بتربية أبنائها، وعمِلتْ على توفير الأجواء المناسبة لهم؛ لينشؤوا تنشئةً سليمة، متشرِّبين بالقِيَمِ والمُثُل والمبادئ التي تستند إليها تلك الحضارةُ.
حيث تطوَّر مفهوم الإشراف التربوي من نظام التفتيش الذي يقوم على أساس مراقبة عمل المعلمين وتصيّد أخطائهم، إلى عملية التوجيه التي تقوم على أساس التعاون بين المشرفين التربويين والمعلمين من أجل رفع كفاياتهم التعليمية, ثم إلى عملية الإشراف التي تهدف إلى مساعدة المعلمين في مواجهة مشكلاتهم التعليمية ومعالجتها بأسلوب علمي منهجي منظم.
والإشراف التربوي الذي نعنيه هو: “عبارة عن الجهود الفنيَّة المنظمة لتوفير الخدمة التعليمية الشاملة في الحقل التربوي، في مجال تحسين العملية التعليمية التربوية بجميع عناصرها، من معلمٍ، وطالبٍ، ومنهجٍ، وأساليبِ تقويمٍ، ووسائلِ تدريسٍ، فهو عملية قيادية تهدف إلى تحقيق أهداف التربية”.
وإذا استصحبْنا هذا التعريفَ، فإننا نجد له جوانبَ تطبيقيةً عديدة في سيرة النبي – صلى الله عليه وسلم – وصحابتِه الكرام، يمكن أن نعتبرها نماذجَ مبكرةً في إرساء أُسس ومبادئ الإشراف التربوي نظريًّا وعمليًّا منذ ظهور الدعوة الإسلامية، التي كانتْ دعوةَ علمٍ وعمل ومنهج حياة، ولم تقتصر على الشعائر التعبُّديَّة كما يفهمها أهلُ الحضارات المادية المعاصرة اليوم من شرقيين وغربيين.
لكن دراسة موضوع الإشراف التربوي في السُّنة النبوية، يقتضي منا التمييزَ بين وظيفتين رئيستين للنبيِّ – صلى الله عليه وسلم – في مجال العمل التعليمي، فهو حين يتعامل بنفسه مع شخص جاهلٍ، أو مبتدئٍ دخل حديثًا إلى الإسلام، ويعلِّمُه القرآنَ أو أحكامَ الإسلام، إنما يقوم بوظيفة المعلِّم، أما حين يتعامل مع شخصٍ قطع شوطًا في التعليم، وبدأ في مرحلة العطاء، أو كان يُهيَّأ للتدريس مستقبلاً، فهو بذلك يمارس وظيفةَ الإشراف التربوي، بالإضافة إلى وظائفه كنبيٍّ وإمام.
ومن الأمثلة على إشرافه التربوي، وتوجيهاتِه للمعلمين :
قصةُ تعامُلِه مع الأعرابيِّ الذي بَالَ في المسجد؛ حيث نبَّه النبيُّ – صلى الله عليه وسلم – أصحابَه إلى وجْه الخطأ في تصرُّفهم مع هذا الأعرابي الجاهل، الذي هو بحاجة إلى التعليم، لا إلى التعنيف؛ ولذلك ذَكَرَ العلماءُ من الفوائد المترتبة على هذا الحديث: “الرِّفق بالجاهل، وتعليمه ما يلزمه من غير تعنيف ولا إيذاء، إذا لم يأتِ بالمخالفة استخفافًا أو عنادًا، وفيه: دفعُ أعظم الضررين باحتمال أخفِّهما؛ لقوله – صلى الله عليه وسلم -: ((دعوه))، قال العلماء: كان قوله – صلى الله عليه وسلم -: ((دعوه)) لمصلحتين: إحداهما: أنه لو قطع عليه بوله تضرَّر، وأصلُ التنجيس قد حصل، فكان احتمال زيادتِه أولى من إيقاع الضرر به، والثانية: أن التنجيس قد حصل في جزءٍ يسير من المسجد، فلو أقاموه في أثناء بوله، لتنجَّستْ ثيابُه وبَدنُه ومواضعُ كثيرةٌ من المسجد”.
ومن الأمثلة على تزويد المعلمين بالنصائح والتعليمات النافعة: ما جاء عن أبي موسى الأشعري – رضي الله عنه -: أن النبيَّ – صلى الله عليه وسلم – بَعَثَهُ ومعاذًا إلى اليمن، فقال لهما: ((بشِّرا ويسِّرا، وعلِّما ولا تنفِّرا – وأراه قال: وتطاوَعَا)).
ففي هذا الحديث نجده – صلى الله عليه وسلم – يزوِّد هذين المعلِّمَينِ بنصائحَ مفيدةٍ، بعضُها يتعلِّق بأسلوب التعامُل مع التلاميذ المتعلمين (التعليم، والتبشير والتيسير، وعدم التنفير)، ونصائحُ تتعلق بتعامُلهما فيما بينهما بأن يتطاوعا (يُطيع كلٌّ منهما الآخرَ)، وذلك بتحقيق الاحترام المتبادل بينهما، وهذا له أثَرٌ كبير في نجاح العملية التعليمية، خاصة في تلك الظروفِ التي كان فيها ارتباطٌ وثيق بين انتشارِ الإسلام ونجاحِ العملية التعليمية.
ثم أرسى النبي – صلى الله عليه وسلم – قواعدَ الأسلوب الأمْثل لتعامُلِ المعلمين مع هذه الحالات، من خلال بيانه النظري: ((علِّموا ويسروا ولا تعسروا))، ((فإنما بُعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين))، ولم يَكْتفِ بهذا البيان النظري؛ بل أتْبعَه بتطبيق عملي حين دعا الأعرابيَّ وعلَّمه آداب المساجد، وأحكامَ الطهارة، ونحو ذلك، فكان حديثه تعليمًا للأعرابي (التلميذ)، وتدريبًا للصحابة (المعلمين).

مبادروة ملتزمون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى