نلهم بقمتنا
شركات بريطانيا تغرق في الديون .. مليون منشأة تحصل على قروض دون التحقق من جدارتها الائتمانية – منصة الحدث الإلكترونية
الدوليةشريط الاخبار

شركات بريطانيا تغرق في الديون .. مليون منشأة تحصل على قروض دون التحقق من جدارتها الائتمانية

اقترضت الحكومة البريطانية في شهر سبتمبر الماضي 36.1 مليار جنيه استرليني، ليكون ذلك ثالث أعلى رقم تقترضه أي حكومة بريطانية في شهر واحد منذ بدأت عملية التسجيل الشهري للقروض الحكومية عام 1993.
ومنذ شهر مايو الماضي، وقيمة ديون المملكة المتحدة تتجاوز الناتج المحلي الإجمالي، ووفقا للإحصاءات الرسمية بلغ الدين القومي 103.5 في المائة من حجم الاقتصاد البريطاني مقيسا بالناتج المحلي الإجمالي.
بالطبع لم تكن تلك المرة الأولى التي يتجاوز فيها الدين البريطاني الناتج المحلي الإجمالي، إلا أن آخر مرة حدث فيها ذلك كان عام 1960 عندما بلغ الدين حينها 250 في المائة من القيمة الإجمالية للاقتصاد الوطني.
إلا أن تجاوز الدين البريطاني عام 1960 للناتج المحلي الإجمالي كان نتيجة طبيعية للحرب العالمية الثانية، التي رغم أن بريطانيا وحلفاءها خرجوا منها منتصرين، إلا أن اقتصادها خرج مرهقا ومكبلا بالديون التي أخذت في التراكم في الأعوام التالية حتى بلغت ذروتها عام 1960.
أما اليوم فإن ديون المملكة المتحدة تتجاوز ترليونا جنيه استرليني وتبلغ تحديدا 2.06 تريليون، وقد انعكس تراكم الديون سلبا على القدرة الائتمانية لبريطانيا خامس اقتصاد في العالم، اذ أعلنت وكالة “موديز” للتصنيف الائتماني تخفيض التصنيف الائتماني للمملكة المتحدة لتجعلها في مستوى بلجيكا.
تراجع القدرة الائتمانية لبريطانيا لم يمنع الاقتصاديين من توقع أن يقوم بنك إنجلترا “البنك المركزي البريطاني” ببيع ما قيمته مائة مليار جنيه استرليني أخرى من السندات، ما يفاقم أعباء المديونية
ويرى جورج أستون الخبير في الاقتصاد البريطاني، ضرورة تفهم المشهد الراهن لقضية الديون البريطانية المتراكمة في ظل تفشى وباء كورونا، إذ يقول لـ”الاقتصادية”، “إن الاستراتيجية الحكومية تقوم على أن زيادة الإقراض ثمن يستحق دفعه، ويجب تحمله لمنع الاقتصاد من دفع تكلفة أعلى، فإذا لم تقم الحكومة بعملية اقتراض لتغطية عجز الميزانية، فان البديل سيكون فقدانا للوظائف وتراجعا الإنتاج، ومن ثم فإن عملية الإقراض في هذه الحالة تكون وسيلة ضرورية لضخ مزيد من الحيوية في شريان الاقتصاد الوطني، لدعم ملايين الوظائف وعديد من الشركات”.
يذكر جورج أستون أن تفشي وباء كورونا أدى إلى انخفاض الدخل الضريبي، نتيجة انخفاض الإنفاق الشخصي وكذلك تراجع أرباح الشركات، وترجم ذلك في حصول الحكومة على نسبة أقل من ضريبة القيمة المضافة وضريبة الشركات.
وبصفة عامة لا يزال الجدل محتدما بين الاقتصاديين البريطانيين حول الاقتراض “المفرط”، وإذا ما كان بإمكان المملكة المتحدة الإفراط في الإنفاق بالاسترليني، أخذا في الحسبان أنه عملتها المحلية، القادرة على طباعتها، أم أن ذلك سيصيب الاقتصاد بأثار تضخمية، ستؤدي الى تآكل أي نتائج إيجابية لزيادة الإنفاق الحكومي؟
وكانت النتائج الخاصة بمؤشر أسعار المستهلك في شهر أيلول (سبتمبر) أظهرت ارتفاعا بلغ 0.5 في المائة مقارنة بـ0.2 في المائة في شهر آب (أغسطس). ما لا يمكن إنكاره أن وباء كورونا لعب دورا رئيسا في زيادة معدلات الاقتراض الحكومي، فخلال الأشهر الستة من نيسان (أبريل) إلى أيلول (سبتمبر) اقترض القطاع العام البريطاني مبلغ 208 مليارات جنيه استرليني وهو أعلى مبلغ يتم اقتراضه على الإطلاق، ويبلغ أربعة أضعاف المبلغ الذي اقترضه في العام المالي السابق بأكمله، وتتوقع وزارة المالية البريطانية أن يبلغ إجمالي اقتراض القطاع العام البريطاني هذا العام 370 مليار جنيه استرليني.
ويقول لـ”الاقتصادية”، البروفيسور هاردي ووالف أستاذ المالية العامة في جامعة أدنبرة والنائب السابق لرئيس اللجنة المالية لبنك إنجلترا، “إن هناك زوايا خطيرة لقضية الديون في المملكة المتحدة لا يسلط عليها الضوء بدرجة كافية”، عادّا الشركات البريطانية تغرق في فخ الديون الخاصة.
ويضيف “حاليا هناك ما لا يقل عن ستة مليارات جنيه استرليني ديون على الأسر البريطانية، وربما أكثر من ذلك، وجميعها تراكم على 4.6 مليون شخص نتيجة وباء كورونا”.
وأكد أن مواطنا بريطانيا من بين كل ثمانية أفراد في إجازة تخلف عن سداد ما عليه من ديون، وظاهرة الشركات الهشة التي تواصل العمل نتيجة القروض الحكومية في تزايد، وأغلب تلك الشركات ستفلس بمجرد توقف الدعم الحكومي.
وفي واقع الأمر فإن عديدا من الأسر والشركات البريطانية كان مثقلا بأعباء الديون قبل تفشي وباء كورونا الذي زاد الطين بلة، وهو ما جعل الاقتصاد البريطاني من وجهة نظر البروفيسور هاردي هشا للغاية، حتى أكثر مما كان عليه الوضع عام 2008 عندما انفجرت الأزمة المالية العالمية، على حد قوله.
ويعتقد البروفيسور هاردي أن خيارات الحكومة البريطانية في التعامل مع الوباء فاقمت أزمة المديونية عن طريق تحميل الأسر والشركات بمزيد من الديون الخاصة، ثم تشجيع الشركات لاحقا على الحصول على قروض مدعمة من الدولة، بينما حصلت الأسر على فترات سماح بعدم دفع الرهون العقارية وبطاقات الائتمان، وهذه الإجراءات لم تخفف من الأعباء المالية المتزايدة التي يتحملها المواطن البريطاني، وذلك من وجهة نظر البروفيسور هاردي.
جزء من منطق التفكير الحكومي البريطاني مع أزمة المديونية يعود إلى ثقتها بأن ما تقترضه من مال يأتي عبر بيع السندات الحكومية بالجنيه بالاسترليني، ما يجعلها في وضع يمكنها السيطرة عليه إذا تفاقمت تلك الأزمة.
وعلى الرغم مما يتضمنه منطق التفكير هذا من واقعية، إلا أنه يؤخر من الانتعاش الاقتصادي، خاصة أن أغلب سيناريوهات الاقتراض بنيت على أساس أن أزمة كورونا ستكون أزمة قصيرة الأجل، وبمجرد رفع قيود الإغلاق، فإن الشركات والأسر سيكون في مقدورها سداد الديون، وهو ما بات موضعا لشك متزايد الآن.
وأشارت إلى أن ذلك قد يصل بتلك الأسر إلى حافة الهاوية المالية، وفي ظل الفوضى الاقتصادية وعدم اليقين فإن الإعسار والفقر المدقع يمكن أن يكون المآل النهائي لكثيرين، حيث إن أكثر من مليون شركة صغيرة حصل على قروض بنكية بدون التحقق من جدارتها الائتمانية، وجزء كبير من تلك الأموال التي حصلت عليها الشركات سيذهب إلى دفع الإيجار لأصحاب العقارات التجارية لمبان مغلقة.
وأكدت أن كثيرا من تلك الشركات ستنهار حتما، لأنهم لا يمتلكون الاحتياطيات النقدية اللازمة للتغلب على حالة من شبه الإغلاق طويل الأجل، والوضع مماثل أيضا بالنسبة إلى الأسر التي زادت عليها الديون نتيجة إجازات الدفع ومتأخرات الإيجار والديون الشخصية، وسيكون مستحيلا عمليا سداد تلك الديون، وبعض الأرقام يشير إلى أنه تم دفع أقل من نصف إجمالي الإيجارات المستحقة أثناء عملية الإغلاق.
ويقود هذا المشهد الكئيب إلى ما أشار إليه البروفيسور هاردي بأن المملكة المتحدة ركزت دائما على الدين العام، وتتجاهل أزمة الديون الخاصة التي يمكن أن تقود عاجلا أم آجلا إلى ركود اقتصادي يستحيل معه أن تقوم الشركات والأسر بسداد ما عليها من ديون سواء أرادت الحكومة ذلك أم لم ترد.
مبادروة ملتزمون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى