أخبار منوعة

طريقة مستحدثة لسبر غور لغز خيوط العنكبوت الحريرية.

يبحث العلماء في الكشف عن المحفزات الكيميائية التي تحوِّل السائل المخزون في غدد الحرير لدى العناكب إلى مادة صلبة أقوى من الكيفلار.

وتعد خيوط العنكبوت الحريرية –رطلاً برطل- أقوى من الفولاذ وأصلد من الكيفلار غير أن الأمر لا يبدأ بمثل هذه الطريقة البسيطة للغاية.

وتتخذ خيوط العنكبوت الحريرية صورتها الأولى في شكل سائل يُسمى حرفياً «المخدر». ولكن في خلال أجزاء من الثانية يأخذ هذا السائل اللزج للغاية المتكون من البروتينات شكلاً مغايراً تماماً. وهو لا يتحول من الحالة السائلة إلى الحالة الصلبة فحسب. ففي سبيل خروجها من قاع جوف العنكبوت، تقوم لبنات البناء البروتينية الموجودة في الخيوط الحريرية، وهي المعروفة علمياً باسم «سبيدروينس»، بالالتفاف والتشابك على نفسها، مما يؤدي إلى وجود بنية بالغة التنظيم من دون توجيهات من أي قوة خارجية كانت.

وتعد هذه العملية الرائعة للغاية من التجميع الذاتي أشبه في غرابتها بخرطوم الحديقة الذي ينفث تياراً متواتراً من رقاقات الثلج مثالية التكوين. ولقد أمضى العلماء سنوات في محاولات تقليد تلك المادة على أمل أن تُحدث في يوم من الأيام ثورة في المواد فائقة القوة والاستدامة.

يقول الدكتور علي مالاي –وهو عالم الأحياء التركيبية والكيمياء الحيوية في مركز «رايكن» لعلوم الموارد المستدامة في اليابان: «يمكننا بالفعل توليد المواد ذات الخصائص العلمية المتميزة للغاية من خلال استغلال عملية التجميع الذاتي المشار إليها».

ولم يتمكن الدكتور مالاي من التوصل إلى خطوات تلك العملية برمّتها حتى الآن. كما لم ينجح أي عالِم آخر في ذلك الأمر أيضاً. لكنّ هناك دراسة بحثية نشرها يوم الأربعاء بالأسبوع الماضي في دورية «ساينس أدفانسيس» العلمية، طرح فيها رفقة زملائه طريقة مستحدثة لسبر غور لغز خيوط العنكبوت الحريرية، وذلك عن طريق محاكاة أسلوب خروجها المنظم من المغزل الطبيعي باستخدام الأدوات الكيميائية في المختبر العلمي.

ووجد الباحثون أن جزءاً مهماً من أجزاء عملية الغزل يستلزم من بروتينات «سبيدروينس» أن تفصل نفسها عن المخزون المائي الذي يحيط بها داخل غدد الخيوط الحريرية –وهي الخطوة التي تزيد من تركيز البروتينات بصورة فائقة. ثم يؤدي تدفق الحمض إلى تحفيز البروتينات على الطي والتشابك بشكل وثيق.

وتستعين الدراسة البحثية المشار إليها بنموذج مختبري بسيط عوضاً عن الاستعانة بالعناكب الحقيقية. وتقول الدكتورة أنجيلا أليسيا سيرانو –وهي الباحثة المختصة بدراسة خيوط العنكبوت الحريرية في جامعة أكرون بولاية أوهايو الأميركية، وهي التي لم تشارك في الدراسة المشار إليها: «تعد هذه الدراسة رائعة للغاية، إذ إنها تعرض لمحة جيدة حول المجريات والخطوات السابقة على غزل الخيوط الحريرية الطبيعية. لقد رأينا الكثير مما يتعلق ببداية ونهاية هذه العملية من قبل، ولكن هذه هي المرة الأولى التي نعرف فيها ما ينبغي عن المجريات الداخلية في عملية الغزل».

وقالت الدكتورة آنا رايزينغ –وهي الخبيرة في خيوط العنكبوت الحريرية لدى معهد «كارولينسكا» السويدي، والتي لم تشارك أيضاً في الدارسة المذكورة: «لا بد لخيوط العنكبوت الحريرية المتحولة أن تخضع للدراسة حتى لا نقع في فخ المبالغات العلمية المفرطة»، وأضافت أيضاً: «في أثناء وجود بروتينات (سبيدروينس) داخل الغدد، لا بد من بقائها معلّقة في صورة سائل عند مستويات فائقة من التركيز في بنية أشبه ما تكون بمعجون الأسنان المعروف».

إذا ما تصلبت الخيوط الحريرية في وقت مبكر للغاية، ربما تعمل على انسداد الغدد لدى العنكبوت بما يشبه كابوس الإمساك المرعب لدى البشر. وبعد فوات الأوان على خروج الخيوط الحريرية، ربما لا يتمكن العنكبوت من إخراج إلا سائل هلامي بلا شكل محدد. مما يجعل من التوقيت والكفاءة من أهم العوامل الأساسية في نجاح عملية غزل خيوط العنكبوت الحريرية.

ومن حسن الحظ بالنسبة إلى العناكب، أسفرت آلاف السنوات من التطور في جعل بروتينات «سبيدروينس» ذات استخدامات متعددة. وتوضح الدكتورة رايزينغ الأمر بقولها: «تأخذ تلك البروتينات شكل قضبان الحديد الصلبة: فهي عبارة عن خيط طويل غير منتظمة الشكل مع الطرفين المغطيين بنقاط تشبه الفقاعة. وفي غدد الخيوط الحريرية، يُعتقد أن أوتار الخيوط الممتدة تقترن ويتحد بعضها مع بعض بصورة طبيعية عند أحد الأطراف، مما يخلق أوتاراً ثنائية على شكل حرف (V) باللغة الإنجليزية والتي يبدأ تشكلها الأول في مادة المخدر لدى غدة العنكبوت».

ومن أجل تكوين بنية أكثر استقراراً من الخيوط الحريرية، لا بد من بروتينات «سبيدروينس» أن تترابط في سلاسل باستخدام الأطراف الأخرى من الأوتار. تقول السيدة جيسيكا غارب –وهي الباحثة في خيوط العنكبوت الحريرية في جامعة ماساتشوستس، وهي لم تشارك في الدراسة المذكورة أعلاه: «يبدو أن هذا يحدث في غالب الأمر تحت تأثير بعض الإشارات الكيميائية». ومع إخراج بروتينات «سبيدروينس» عبر متاهة من القنوات متناهية الصغر بصورة متزايدة، تقوم الخلايا العنكبوتية بضخ الأحماض الكيميائية في الخليط، مما يجعل أطراف الأوتار الصلبة الحرة يتلاصق بعضها ببعض. وتؤدي الرحلة عبر هذه القنوات متناهية الصغر إلى ضغط الخيوط الحريرية ومن ثم تتخذ صورتها النهائية.

ووجد الدكتور علي مالاي وزملاؤه أنه لا يمكن لعمليتي النحت والتجميع الذاتي المشار إليهما أن تحدثا ما لم يجرِ تجفيف بروتينات «سبيدروينس» السائلة في أثناء تحركها عبر التشريح الداخلي لجسد العنكبوت.

وأظهرت التجارب الأخرى أن الأملاح تزيد من سرعة تباعد بروتينات «سبيدروينس» عن السائل المحيط بها، تماماً على غرار الزيت والخل في تتبيلة السلاطة. الأمر الذي يسمح لبروتينات «سبيدروينس» بالتفاعل بسهولة أكبر، كما قالت الدكتورة شيريل هاياشي –وهي الباحثة المختصة في خيوط العنكبوت الحريرية لدى المتحف الأميركي للتاريخ الطبيعي، وهي لم تشارك في الدراسة. وبعد الوصول لدرجة معينة من الكثافة، تتشكل بروتينات «سبيدروينس» ذاتياً في بنية خيطية بشكل متزايد.

ربما يثير خط استخراج الخيوط الحريرية قدراً من الحيرة. فمن وجهة النظر الهندسية المجردة، تعد تلك الخيوط بالغة الأناقة، كما قال الدكتور كيجي نوماتا، من فريق علماء مركز «رايكن» لعلوم الموارد المستدامة في اليابان، وكبير علماء الدراسة البحثية. يمكن للعلماء والباحثين بناء البوليمرات فائقة القوة في المختبرات بالاستعانة بالقوة الشديدة مع إجبار المواد على التجمع بطرق لم يكن لها أن تحدث بغير تلك الوسيلة. لكن مع إمعان النظر في المكونات الصحيحة، وفي ظل الظروف الملائمة، فإن الوصفة المكونة من حرير العنكبوت تقوم بإعداد نفسها بنفسها ذاتياً.

ولا يزال الباحثون لا يعرفون ما يكفي من معلومات حول هذه العملية حتى تتسنى لهم إعادة إنشائها مختبرياً بالكامل. يقول الدكتور غارب إن هناك العديد من الطرق لغزل خيوط العنكبوت الحريرية، وهي تختلف باختلاف أنواع العناكب، وحتى داخل فصيلة العناكب الواحدة.

وعلى الرغم من معرفتنا بدور خيوط الحرير في بناء شبكات العناكب، فإنه يمكن استخدامها أيضاً في استمالة الأقران، أو حماية بيض العناكب، أو حتى مساعدة العناكب البعيدة في الانتقال عبر الشبكات المختلفة.

ركزت الدراسة المذكورة على البروتينات الموجودة في خيوط السحب الحريرية، والتي تقوم مقام نوع من الحبال المطاطية لدى العناكب المتدلية من شبكاتها أو من الأسقف. ولكن لا يزال هناك الكثير مما اكتشفته الطبيعة ولا نعرف عنه أي شيء، كما تقول الدكتورة شيريل هاياشي.

المصدر الشرق الأوسط

مبادروة ملتزمون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى