الإعلامي عبدالعزيز قاسم

حين أكلت الجراد في القصيم

     حين أكلت الجراد في القصيم                                              

الاعلامي وكاتب صحافي :

عبدالعزيز قاسم .                                                     

تراصت بشكلٍ مرتّبٍ على صحون دائرية صغيرة، أصابعُ سمراء أشبه بقطعِ بطاطاالوجبات السريعة، وبادرني الدكتور الخلوق إبراهيم الربيعة بواحدةٍ منها، وهو يقول: “لا تفوّت فرصة أن تتذوق هذه الأكلة الجديدة عليك، والتي لن تجدها بهذا الشكل والطعمإلا عندنا هنا بالقصيم“. ورجلٌ محبٌّ للسفر مثلي، يثير فضوله كل شيء غريب، ويحب أنيجترح مثل التجربة.

حين أكلت الجراد في القصيم

مرّت بذاكرتي الكليلة كل الأكلات التي أعرف، إلا ما قاله الصديق الحبيب د.الربيعة،وهو يصرُّبحماسة كبيرةأن أتناول منها، ليعرّفني بها بكل تدلّه: “هذا هو الجراد.. ولنأتركك حتى تتذوقه يا أبا أسامة“. وبالطبع اشمأزت نفسي مباشرة، اتكاء للتصوّر المسبق عنه، وما كنت أبكّتُ به على أصدقائي من القصيم المحبين لأكله.

حين أكلت الجراد في القصيم

ولمكانة الصديق د. الربيعة؛ تجالدتُ ولم أحبُّ ردّ طلبه، وسمّيتُ الله وأنا أزدردُ ريقي،ووضعت الجرادة المقرمشة داخل فمي، وأنا أقول لهم: “إنْ حصل لي تسمّم، أو متُّ عندكم؛ فدمي في رقبتكم يا أهل القصيم، كنوعٍ من المهاذرات التي لا تخلو بين زملاء كشتة البرّ،وهي التي تعطي الرحلة رونقها وجمالها وذكرياتها.

 حين أكلت الجراد في القصيم

من عَجبٍ، أنّ كل أوهامي تبخّرت، وأنا ألوك الجرادة في فمي، إذ كانت أقرب للجمبري المقرمش، وقد مُلئت بالبهارات، واستطعمتها مباشرة، ومرّ بالتجربة معيالسفير عبدالرحمن خياط، أمام ضحكات مضيفنا الكريم الشيخ عبدالرحمن الحناكي وصحبه، وإذا بنا نطلب أخرى وثالثة وعاشرة من لذتها، واستمزاجنا لها.

 حين أكلت الجراد في القصيم

قدّمتُ في سنابآتي اعتذارًا للأصدقاء من القصيم، أنني لطالما طقطقت على أكلكم له،ولكن لا تلامون بصراحة، إذ طعمها المقرمش مقبول. الطريف أنّ والدتي شاهدت كل المقاطع، لترسل لي رسالة غضبى، وهي متعجّبة مستنكرة من تتلذذي بأكل الجراد، وقد نفرتْ مما رأته، ووبختني وقالت: “إياك أن تزورني..لا أود أن أراك لمدة شهر، وأبلغت رفقتي برسالتها، وضحكوا عليّ شماتة أخوية.

 حين أكلت الجراد في القصيم

صفقتُ كفًا بكفٍّ، مردّدًا: “حسبي الله عليك يا د.ابراهيم الربيعة، نكبتني مع والدتيالأغلى عندي!”. وطبعًا فاتني ذكر أن القوم هناك سوّقوا علينا أنّ للجراد فوائد صحية، وترفع من فحولة الرجال، وجملة من المغريات التي وقعنا في براثنها، وردّدوا المثل الشهير: “إذا طلع الفقع صرّ الدواء.. وإذا طلع الجراد فانثر الدواء، وصدّقنا نحن. لم أنل فقط توبيخ والدتي الأغلى، فقد فقدت أيضًا مجموعة كبيرة من المتابعات لي.

 حين أكلت الجراد في القصيم

قصة أكلي الجراد كانت قبل يومين فقط، حيث لبّيت دعوةً كريمةً من رجل الأعمال الحبيب خالد السعود، وقد اعتذرتُ له لثلاث مرات على مدى السنوات الماضية أن آتيه فيمخيمه السنوي، والرجل على درجة من الخلق والتواضع والشهامة؛ ما يجعلك تخجل أن تردَّ مثله، وفعلا رتّبت مع بعض الأصدقاء للذهاب له.

 حين أكلت الجراد في القصيم

العادة أن يلبّي للرجل في مخيمه الكبير الذي عقده هذا العام في برّ القصيم، مايقارب الستين أو السبعين من صفوة محبيه وأصدقائه، لكن هذا العام بسبب الاحترازات،قام بجدولة مجيئنا، وتقسيم الضيوف بحيث لا نتجاوز العشرين، وكم كنت سعيدًابوجود جهاز كشف الحرارة التي مرّ بها علينا أحد مساعديه وكشف بها حرارتنا.

 حين أكلت الجراد في القصيم

طبعًا المعقّمات كانت في الغرف والسرادق الكبير، ومنعته مروءته أن يطلب مناتطبيقتوكلنا، فبادرته بألا يخجل، بل ذلك من مصلحة الجميع، ويجب أن نعممهاكثقافة في كل تجمعاتنا. بصراحة هالني ما رأيت من خدمات فندقية ومهاجع نوم ودورات مياه واستحمام ومكيفات وسخانات في وسط الصحراء هناك.

 حين أكلت الجراد في القصيم

علّق بعضُ المتابعين لسنآباتي أنّ هذه الرحلة ليستكشتة برّ، بل كل ما فعله المضيف أنه نقل فندقًا للصحراء. وكم امتننا لمضيفنا كلَّ ما قدّم لنا، ونحن نرى ضيافته وابتسامته وحرصه على اسعادِ ضيوفه والتباسط معهم. ويحدثنا أبو فهد ولكأننا مَنَناعليه بمجيئنا، ولا يدري أية سعادة وأخوّة وحبٍّ أغدقها علينا بكرمه وفضله!!

 حين أكلت الجراد في القصيم

في جلسة السهرة بأول يوم؛ أبدى كلَّ واحدٍ منا بعض موهبته، فهناك من ألقى الموال، وجماعة قاموا بالرقص الشعبي، وعندما استوى المجلس وهدأ، أخذتُ مكبّر الصوت، وعلى ضوء الشموع التي تتراقص هناك أمام كل منضدة، والضوء الخافت الذي يلفّ الخيمة الكبيرة؛ بدأت في إلقاء بعض مقاطع قصيدةالأطلالالشهيرة لإبراهيم ناجي، تلك التي أعشقها وأحفظ أجزاء عديدة منها.

 حين أكلت الجراد في القصيم

ظننت بأن القوم سيميلون طربًا واستمتاعًا لأشهر قصائد الرومانسية في الشعر الحديث، وإذا بمضيفنا خالد السعود يبادرني: “الله يجزاك بالخير يا أبو أسامة، لا عاد تجيب لنا قصائد.. وين الشيلات يا جماعة الخير، فهبّ من في المجلس يوافقونه، وصفقت كفاً بكفٍّ أندب حظ الشعر الفصيح، وأبحث عن الصديقين المفتونين بالشعر: حسين بحري وسليمان النملة!!

 حين أكلت الجراد في القصيم

يأتي المخيم بعض الأضياف، ويذهب عنه آخرون، وكم فرحت بمجيء الشيخ خليل بن محيلان العنزي من عرعر، وكانت فرصة الحديث معه عما رأيته قبل ثلاثة أسابيع في بلدة الأجفر، ونحن عند درب زبيدة للحج، مع رفقة كريمة في كشتة الربدي الأحبةالفضلاء، وصديقي الأثير يوسف القاسم، وكيف أن كهلًا بدويًا من شمر ألحّ علينا بالغذاء،واعتذرنا له بلطف وأدب، خشية الاثقال عليه.

انتفض الشيخ خليل العنزي وقال: “ليتكم وافقتموه، فمثل هؤلاء في البرّ والصحراءيظلون بدون ضيوف لفترة طويلة، ولكنتم أدخلتم السعادة على نفسه.. نحن أهل الشمالنفرح كثيرًا بالضيف، وأبناء عمومتنا من شمر أهل كرم وضيافة، ولو قدّر لكم أن دعاكمأحد من الشمال؛ لبّوا له رجاءً، وأنتم من تمنّون عليه بالقبول، للسعادة التي سيكونعليها“.

طبعا، بثثتُ حديثه في السناب شات، كي يفيد من تلكم التوجيهات من سيتعرّضلموقفنا يومًا ما، وجاءتني ردودٌ من شمامرة أحبّة ومتابعين، وهم يهلّلون للشيخ خليلالعنزي ويشكرونه على ما قاله في حقهم، وكتبوا لي: “يا أبا أسامة.. العُنوز كنوز،يردّون له تحيته، وسرّ بردّهم، وألحّ عليّ أن أزورهم في عرعر، ووعدته إن سنحت ليالفرصة.

التقيتُ في المخيم زميلنا الكبير د. سعود المصيبيح الذي له منزلة في نفسي، وأيضًا لقيت الشاعر والراوي إبراهيم بن طلحة الذي أطربنا ببعض حكاياته وقبلاته لمن يلتقي، وأعجبني ما كان يردده:

                             قالوا: وش أنت؟ قلت: أنا مثل غيري

                                  قدّام يلحقني ملامٍ أو زريّة

                          إنْ قلتْ حرٍّ أو عبدٍ وإلّا خضيري

                                مِنْ طينةٍ، منها جميع البريّة

الحقيقة أن كشتات البرّ هاته؛ تطرحُ ما يعتري النفس من لأواء وهموم، وتُزيلُ الكدر،ويعودُ من يأتِها لأهله وقد نشطتْ نفسه من جديد، وكنت أذهبُ لمامًا لها مع رفقة منالعائلة الكريمة العريفي، الذي لي فيهم صديقُ عمرٍ، هو أحد أنبل وأكرم وأشهم من عرفتبحياتي، وأشعر أنني بدأت أدمنُ الذهاب للصحراء والبرّ.

عندما تفترشُ قمة تلة الرمل بالبرّ، وقد صَعَدتها حافي القدمين، لترسل نظرك للأفق،تراقب الشمس وقت الغروب، فأية لحظة ماتعة تعيشها! وسبحان الله أن تأثير الغروبعلى النفس يختلف عندما ترى قرص الشمس بلونها البرتقالي وهي تغطس في البحر أوتتوارى خلف قمم الجبال، كل واحدة لها روعتها وتأثيرها على النفس.

كانت لي مساجلات مع الصديق الرائع عبدالعزيز التويجري رجل الأعمال الخلوق،وقد عاتبته بزهدِ أهل بريدة عن إظهار أوقافهم ومشروعاتهم الخيرية، فردّ عليّ أنهمينشدون الإخلاص، فحاججته بخطأ ذلك، وأنا أتحدث عن المشروعات العامة لا الخاصة،فثمة من يقتدي بهم، وثمة من يساهم ويشتري، ووعدته بزيارة خاصة لأكتب عن تلكمالمشروعات.

أبهرنا التويجري وهو يسردُ بعض ابتكاراتِ أهل القصيم، وكنتُ أظن أنَّ ثمة مبالغةفي كلامه عن تلكم المشروعات، بيد أنه صدمنا بقوله أنّ عشاءنا الذين أكلناه من السمكفي تلك الليلة، من مزارع السمك في القصيم. وأن شركاتالوطنيةللدجاج، وهضيموغيرهما من عشرات المشروعات، هي وقف لله تعالى، أوقفها تجارهم من صلاحهم.

كانت انطباعات عجلى من وحي تلبية دعوة الرجل الخلوق خالد السعود لمخيمه،وقد أعرضتُ عن ذكر أسماء فضلاء أحبة ونشر صورهم، إذ لا أنشر أو أكتب إلا بعداستئذان، لأن هذا من أدب الرفقة والمؤاخاة. غدًا إلى المدينة المنورة، وقد صالحتُ والدتيعن أكل الجرادبأخذها هناك، ومن نعمة الله عليّ أن رزقني أمًا وزوجة صالحتين، إنأغضبتهما؛ كانت رضوتهما بالسفر بهما إلى مكة أو المدينة.

غرد بها: عبدالعزيز قاسم

  اعلامي وكاتب صحافي

  عبدالعزيز قاسم on Twitter

مبادروة ملتزمون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى