الإعلامي عبدالعزيز قاسم

“مِينِ اللي يحتاج.. وخويّه عَريفي !!”

   مِينِ اللي يحتاج.. وخويّه عَريفي !!”

الاعلامي وكاتب صحفي :

عبدالعزيز قاسم

انطلقت مني هذه الجملة بشكلٍ عفويٍ ومباشرٍ، لأصدقاء أحبة أتوا لزيارتي،يَنشدون أحوالي بعد غيبة عني، ولربما كانت في اللاوعي عندي، وكانت تحتاج شرارةًلتخرج، فأطلقها هؤلاء الفضلاء بسؤالهم الأخوي عني، وهم يعتزمون الوقفة والفزعة،وقد علموا بتقاعدي، ويا لحظ من رُزق بصحبة ذوي الشهامة!

• “العرافاأسرةٌ كبيرةٌ تنتمي لقبيلةبني خالدالعريقة، وعاش أجدادهم في منطقةالقويعية، وكان لي شرف صحبة بعض فرعهم في جدة ومكة والطائف، والحقيقة أننيآمنت بأن خصال الكرم والشهامة والنبل جينات تُورَّث. صحيحٌ؛ ربما يُكتسب بعضهااكتسابًا، ولكن من كانت في جيناته، لا يمكن أبدًا أن يصلَ شأوه أحد.

ثمَّة خط لا يتجاوزه إلا من جُبل جبِّلة ووَرث ذلك حفيدٌ عن جدٍّ، إذ مهما كان العطاءوالبذل؛ هناك خط لا يستطيع تجاوزه أبدًا من أراد السمعة والشهرة والفخر، بل حتى منأراد الخير ولم تك في جيناته أو أسرته كثقافة يتوارثونها بينهم، ويعيشون عليها،ويعتبرونها قيمة من قيم الأسرة ومُثلها العليا. لن يستطيع من تكارم أن يتجاوز الخط.

أدلّل على ما أقول، إذ لهذه الأسرة العريقة منالعرافاجدٌّ اسمه عبدالله المطوع،ينزل في قرية اسمهاجزالافي منطقة القويعية، والحكاية عن ستين أو سبعين عامًاخلون. كان الجدُّ على درجة كبيرة من التديِّن والحكمة والخلق والكرم، وعمَّر حتى سنواتهالتسعينيرحمه الله-. كان من خيرة أهل زمانه.

حكى لي ابنه، العمُّ مِلْهِي العريفي، قبل أشهر قليلة حكاية عنه لم أكن أصدُّقها لولاأنني سمعته منه مباشرة، وكان مشاركًا فيها، ذلك أنه في أيام القحط والشدة، نزلبجوارهم هناك فيجزالابعض البدو، أنهكهم الجوع والعطش، وكان ذلك دأب الباديةالنزول عند العمران وقت الشدِّة والقحط، وكانوا يُصلُّون في مسجده، ويَقلطونللعشاءعنده كل ليلة.

بعد زمنٍ؛ انتبهت العائلة إلى أن رُطب أحد النخل ينقص كل يوم، وتكرَّر ذلك النقصلأيام عدة، فظن الجدُّ المطوّع أن ثمة حيوانات هي من تفعل ذلك، فطلب من ابنيهأحدهماالعمّ ملهي الذي يحكى ليأن يترصّدا في الليل هذه الحيوانات التي تأخذ الرطب، فكمُنالهم، وأمضيا الليل يراقبان النخل. يقول لي: فوجئنا بخيالِ رجلٍ في هدأة الليل تلك يأتيمتسلِّلا.

يُكمل العمُّ ملهي: وتفاجأنا بالكامل، وصُدمنا عندما أمعنَّا النظر فيه، فهو أحد البدوالقاطنين بجوارنا، وأحد جلساء الوالد ممن يصلي معه، ويغشى مائدته، فلم نفعل شيئًا،وأحجمنا عن التصرِّف إلا بتوجيه الوالد، وتركناه يأخذ ما يريد، وانصرفنا للبيت، وأخبرناوالدنا فجرًا، فطلب منا السكوت وعدم الحديث.

يُكمل العمُّ: عندما أتى الرجل كعادته كل ليلة، وصلّى العشاء معنا، ودخل ديوانيةوالدنا، الذي بادر بحديثه أحد جلسائه: يا فلان، النخل الذي سَمتُه كذا وكذا؛ رُطبه لك.. ويافلانجليسٌ ثانٍجَنيُ النخلة الفلانية لك طالما كنتم بجواري، واتجهوالديللرجلالذي كان يسرق النخل: يا فلان.. النخلة الثالثة هي لك، اجِنِ رطبها فهي لك.. وختمالمجلس بقوله: حياكم الله على العشاء.

ذهلتُ من هذا التصرِّف النبيل من قبل الجدِّ المطوع يرحمه الله رحمة واسعة، فليستالعبرة في مسامحته الرجل الذي يغشى بيته كل ليلة، ولا حتى في عدم معاتبته له، وأنهلو أتاه وطلبه لأعطاه حاجته، ولا ذهولي من أن الجدَّ وَهَبَ جَني النخل لجليسه الذي لميرعَ جواره، ولا ضيافته، ولا حتى صلاته معه، وعشاءه عنده كل ليلة=

كانت العبرة في أن الجدَّ عبدالله المطوع العريفي كان في غاية النبل والكرم والمروءة؛بعدم جرحه لمن أقام في جواره، وغشي بيته، وأكل طعامه، وبتلك الطريقة العجيبةالتيلا يفعلها إلا نبيلالتي وَهَب بها النخل للرجل، فلم يُباشره بالحديث بهِبته تلك، بل ذهبلغيره ابتداءً، ثم وصل له، لأنه لو باشره بالحديث أولًا؛ لانتبه الرجل إلى معرفة ذلك الجدِّبما اقترف وأخطأ.

هنا الخطُّ الفاصل الذي تحدثت آنفًا، والذي لا يَصِلَه إلا كريمُ نفسٍ بحقّ، ولا تنس أنالحادثة وقعت في أيام القحط والجدب، ومثل هذه النفسية التي تعطي وتبذل وتهب منشدِّةٍ وضيقِ حالٍ ونقصِ مالٍ وثمر؛ لا يتمتع بها إلا أفذاذ وكرماء الرجال، ولن يصلها أبدًاأبدًا من لم يسرِ الكرم الحقيقي في جيناته، وورث ذلك كثقافة وقيمة من القيم التي تربّىعليها، وتشرّبها مع حليب أمه.

عبدالله المطوعيرحمه الله، بجانب خلقه وديانته وكرمه؛ كان حكيمًا يفضُّالخصومات الصعبة بين القبائل، التي تنتهي لرأيه، ويقبلون حكمه لحياديته وخوفه منالله، وثمة قصص عجيبة سمعتها عنه، وقلت لحفيده عن سبب احجامهم في تسجيل هذهالمآثر والقصص عن جدِّهم، فأجابني هذا الصديق الذي ورث من أبيهالعمحاضروجدِّهالمطوع يرحمها اللهتلكم الخصال، إجابة تسجَّل في تلك الصفة التي ذكرت.

قال هذا الحفيد: مثل هذه الأمور والمواقف إنما كانت لله تعالى، ولم تك للتفاخر أوالسمعة أو الشهرة، وطالما لم يسجلها الآباء والأعمام، فلن نفعل نحن ذلك، واليوم منيأتيك لبيتك ويطرق بابك هو الذي يُكرمك، فالناس في خير والحمد لله، ولكننا حافظناعلى تقاليد الأجداد بفتح بيوتنا للضيوف.

هذا الصديق الذي لم ترَ عيني في نبله، وأكنّ له أصدق الحب والأخوة، أعرف يقينًاأنه سيعتب كثيرًا عليّ هذه التغريدات، ولكنَّ دافعيواللهذكر مروءة ذلك الجدِّ، وأن ماكنا نقرؤه في كتب التراث والتاريخ عن كرم أولئكم الأفذاذ الذين خلَّدهم التاريخ، وغيرهمممن آثروا الأجر فقط من الله تعالى وبقوا أخفياء؛ أنها لم تندثر، وأن المروءة باقية طالماكان شعب هذه الأرض وهذا الوطن الزاخر بأمثال هؤلاء الرجال.

أصدقائي الذين زاروني وتعهّدوا حالي، وسمعوا مني تلك الجملة الآنفة، التيذهلوا منها، وسألوني عن سبب جزمي بتلك العبارة، فأخبرتهم نتفًا من قصص ماعايشته مع أفراد هذه الأسرة الكريمة منالعرافا، وقد شرّفني الله بصحبة أفرادها، وهموأشهد الله تعالىعلى خلق وتربية وفزعة وشهامة وكرمِ نفس، لا يتركون صديقًا لهمقبلوه بينهم إلا وأبرّوه.

رأيت مواقفهم حيال كثيرين أمامي، يفزعون له بلا تفاخرٍ ولا سمعةٍ ولا رياء، بليتستَّرون على ما يفعلون، وعاتبني صديقي الحبيب هذا لمرات عتابًا مرًّا لذكري بعضوقفاتهم في مجالسي. تمضي الدنيا، وتتغير الأحوال، وأيّ عزيزٍ دالت به الأيام سيرفعهالله، ويعود لأعلى مما كان، وتبقى مثل هذه اللفتات الشهمة في النفس، تنتظر فرصًا أنيردها الانسان لأصحابها، ولا خير فيمن لا يرد المعروف ولو بالدعاء.

قصصت قصتي لصديقٍ أكاديميٍ رفيعٍ، قريبٍ من النفس، يُجيد نظم الشعربالفصيح والعامي، وقلت له: لا أدري كيف صدرت الجملة مني بشكل تلقائي؟! فاهتزَّ لهاوطرب، وقال: أيُّ جملةٍ هذه التي قلتها! صدقني لو نزلت على جبل لدكّته من ثقلها! يارجل أنت فُهتَ بكلمة لو سارت؛ ستظلُّ خالدةً في حقالعرافا، وأشهد الله أنها منمروءتك وحفظك اليد ووفائك!!

لم يكتف هذا الصديق الذي طرب من الكلمة والموقف، إلا وبعث لي هذين البيتينيعبّران عن حادثتي والأصدقاء، وما قلته حيال هذه الأسرة الكريمة من العرافا:

*قالوا لي الأصحاب مُحتاج لك شيّ؟*

*آمر.. وتلقانا يمينك صُفوفي*

*قلتْ الشكر مني لكم يا بَعد حَيّ*

*وشلون أبَا أحتاج وخويّي عَريفي!!*

تغريدات: عبدالعزيز قاسم

     اعلامي وكاتب صحفي

مبادروة ملتزمون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى