الحوادثشريط الاخبار

جريمة #قتل غير محلولة تهز القطاع المصرفي #اللبناني

الحدث – بيروت

عند الساعة السابعة تقريبا من صباح أحد أيام حزيران (يونيو) من العام الماضي، غادر المصرفي المخضرم أنطوان داغر منزله متجها إلى أحد أكبر المصارف في لبنان، حيث كان يعمل في الـ 20 عاما الماضية. لكن رئيس قسم الأخلاقيات ومكافحة الاحتيال في مصرف بيبلوس لم يصل أبدا.
بعد ساعات قليلة، عثرت زوجة داغر على جثته على الأرض بجانب سيارته هوندا الرمادية بالقرب من منزلهم في الحازمية، الضاحية التي تبعد دقائق عن وسط بيروت. وكان قد طعن خمس مرات.
بعد مرور عام، أصبحت جريمة قتل داغر، وهو أب لاثنين، تخيم على الصناعة المصرفية اللبنانية التي كانت مرموقة ذات يوم. في تقرير للشرطة اطلعت عليه “فاينانشيال تايمز”، قال محققون إنه لم يسرق شيء منه، لكن لم يحددوا أي دافع ولم يوجهوا اتهامات إلى أحد.
مع عدم توافر إجابات واضحة، توصل كثير من المصرفيين إلى ما يرون أنه نتيجة حتمية: مقتله يتعلق بعمله. تتعرض المصارف اللبنانية لهجوم من محتجين غاضبين من دورها في الأزمة المالية في البلاد ومن العملاء غير القادرين على سحب أموالهم. قال أحد زملاء داغر السابقين: “الأمر مرعب وصادم. وحتى الآن لا نفهم شيئا”.
قبل إدارة قسم الأخلاقيات ومكافحة الاحتيال في المصرف، كان داغر رئيسا لوحدة الامتثال في مصرف بيبلوس لعشرة أعوام.
تتمثل مهمة مصرفيي الامتثال في ضمان التزام أرباب عملهم بالقواعد المحلية والدولية المتعلقة بغسل الأموال وتمويل الإرهاب. قال منظم سابق: “الامتثال عمل محفوف بالمخاطر، إذا فعلته بشكل صحيح”. المخاطر كبيرة: “هناك حزب الله (جماعة شبه عسكرية وحزب سياسي تصنفه الولايات المتحدة منظمة إرهابية)، وهناك سياسيون وعائلاتهم، وهناك إدارة مصارف فاسدة”.
مهمة صعبة مسبقا تعقدت بسبب الأزمة المالية في البلاد التي اندلعت وسط احتجاجات حاشدة وإغلاق المصارف لمدة أسبوعين في تشرين الأول (أكتوبر) 2019. مشكلات لبنان، التي تفاقمت بسبب الجائحة والانفجار الضخم في ميناء بيروت العام الماضي، تمتد جذورها إلى عقود من سوء إدارة الدولة والفساد السياسي.
يوجد نحو 40 مصرفا يخدم سكان لبنان البالغ عددهم سبعة ملايين نسمة استثمر كثير منها بكثافة في الدين الحكومي والبنك المركزي. ووفقا للبنك الدولي نحو 70 في المائة من إجمالي الأصول المصرفية مكشوفة للسيادة اللبنانية. تخلفت الدولة عن سداد ديونها العام الماضي، واضطرت المصارف منذ ذلك الحين إلى بيع العمليات الخارجية وتسريح الموظفين في عمليات إعادة الهيكلة الشاملة.
وانكمش الناتج المحلي الإجمالي للبنان أكثر من الخمس منذ بدء الأزمة وتحول اقتصادها إلى حد كبير إلى النقد. “هذه ليست مصرفية عادية” حسبما قال مصرفي كبير. “نحن نتعامل مع الأزمة والجنون”. لقد دمرت سمعة القطاع. “كان المصرفي اللبناني سلعة ثمينة”، حسبما قال المصرفي الكبير مستشهدا بنجاحات المديرين الماليين في المصارف الكبرى في الخارج. لكن بعد مرور عامين على الانهيار، الآن اسمك لا يساوي شيئا.
خيبة الأمل داخل القطاع المصرفي اللبناني أمر شائع. بينما لا يوجد قانون بشأن ضوابط رأس المال، المصارف الفردية لديها قيود شديدة على عمليات السحب والتحويلات. قال مصرفي يواجه العميل إنه يتعين عليه رفض ما يعده طلبات مشروعة للوصول إلى الأموال، مثل الفواتير الطبية في حين تقديم بعض الخدمات مثل الحسابات الجديدة أو السحوبات، فقط للعملاء المهمين أو مديري المصارف.
مع تشوه سمعة المديرين الماليين لدورهم في الأزمة، ومنع المودعين من الوصول إلى أموالهم، أضرم العملاء الغاضبون والمحتجون النار في فروع المصارف وأساءوا معاملة الموظفين. وقال المصرفي الذي يواجه العميل إن العملاء أشهروا الأسلحة على المديرين، مطالبين بسحب أموالهم.
عملهم الآن قذر للغاية، حسبما قال المصرفي الذي يواجه العملاء. لكن الموظفون ليس لديهم خيار كي يحتفظوا بوظائفهم ويحافظوا على سلامتهم: “نحن خائفون، نحن نعيش في بلد لا يوجد فيه أمن، يمكنهم قتلنا”.
خوفهم ينبع من ثقافة الإفلات من العقاب في لبنان. مقتل داغر ليس فريدا في بقائه دون حل. مرت عشرات الاغتيالات السياسية دون عقاب في الأعوام الأخيرة. “عدم قدرة القضاء والأمن على حل جرائم القتل … أدى إلى فقدان ثقة الجمهور بقدرتهما … لحمايتهم”، حسبما قالت آية مجذوب، باحثة لبنان في منظمة هيومن رايتس ووتش.
جاء الضغط من خارج لبنان. تمت معاقبة مزيد من المصارف في الفترة التي سبقت الأزمة. في 2019 فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على “جمال ترست بنك” لمساعدة حزب الله -وهو الآن قيد التصفية. يخضع محافظ مصرف لبنان المركزي لتحقيقين أوروبيين في غسل الأموال والاختلاس. والمحافظ ينفي ارتكاب أي مخالفات.
لقد سهل النقص الحاد في الدولار غسل الأموال على المجرمين من خلال المصارف، التي في حاجة شديدة إلى الحصول على النقد. وقال أحد المختصين في الامتثال: “من الصعب للغاية تتبع المصدر الحقيقي والتحقق منه”. منذ أن بدأت الأزمة الامتثال ليس الأولوية الأولى، بل البقاء الأولوية الأولى حسبما قال المختص.
وقال مصرف بيبلوس إنه تعاون مع التحقيق الرسمي في مقتل داغر، لكنه امتنع عن الإجابة على أسئلة أخرى. قال أربعة مصرفيين إن داغر كان ذا شعبية ومعروفا بالأدب والاجتهاد. قال زميل سابق: “لقد كان الشخص الأكثر أخلاقية في المصرف”، مضيفا: “إذا كان بإمكانه رؤية ما يحدث الآن (يقصد في القطاع المصرفي)، فأنا متأكد من أنه كان سيستقيل”.
قالت ابنته ميشيل: إن داغر كان المفضل لدى الجميع. لكن إيلي، ابنه أضاف: “لم ندرك أبدا مدى خطورة وظيفته”.

مبادروة ملتزمون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى