فنون

أدب #السيرة_الذاتية .. متعة التجربة ومتعة الكتابة عنها

أدب #السيرة_الذاتية .. متعة التجربة ومتعة الكتابة عنها

الكتابة سفر إلى الآخرين، وفيها نعيش المتعة مرتين، مرة حين نعيش التجربة، ومتعة حين نكتب عنها.

يغامر كثيرون حينما يضعون سيرتهم على الورق، فهي في حقيقتها حديث النفس إلى النفس، إلا أن الدهشة تستبد بنا أحيانا حينما نكتشف فيها ما كنا نجهله، لكن ذلك لا يوقفنا عن المتابعة، بل يجعل الجمهور يواصل القراءة، كونه وجد بوح الكاتب – صادقا أو مدعيا – مسليا، فيه من العبر والتجربة الإنسانية ما يملأ شغفه، والتفاصيل الشخصية التي تشبع الفضول، فضلا عن كونها وسيلة مشروعة تقرب الكاتب إلى ذلك الآخر.

يقول جورج أورويل الكاتب الإنجليزي الشهير “إن كتابا في السيرة الذاتية لا يمكن أن يصبح محلا للثقة إلا إذا كشف بعض الأشياء التي تشين صاحبها”، ربما ذلك ما دفع كتاب السيرة الذاتية على اتساع بيئاتهم وثقافاتهم لأن يكشفوا بعضا من جوانبهم الخفية وأسرارهم التي بقيت طيلة العمر طي النسيان، سواء كان الكاتب أديبا، أو من مشاهير الفن، أو من قادة الفكر والسياسة والدبلوماسيين والمبدعين في كل حقول المعرفة.

“الاقتصادية” تتجول بين عدد من السير الذاتية لمشاهير الأدب والسياسة، وتعيش الظروف التي عاشها أصحابها، وجوانب مثيرة مما كشفوه فيها.

كشف الجانب الخفي

يعرف الكاتب فيليب لوجون، الكاتب والمرجع العالمي الأول للسيرة الذاتية، السيرة الذاتية، بأنها “حكي استعادي نثري يقوم به شخص واقعي عن وجوده الخاص، وذلك عندما يركز على حياته الفردية وعلى تاريخ شخصيته، بصفة خاصة”.

لكن السيرة الذاتية عادة ما تخضع لتقييم الجمهور، وما بين صدق وكذب يظل القارئ متوجسا، يظن أن المؤلف قد بالغ في تقديراته أو منح نفسه منزلة وعلوا ومكانة في أسرته والمجتمع، أو أضفى تفاصيل سردية ودرامية هنا وهناك، وإن أقسم بأغلظ الأيمان على صدقية القصة وواقعيتها وسردها بحذافيرها المجردة.

إضافة إلى تلك القضية وعبئها، تلقي السيرة الذاتية المكتوبة عبئا آخر على مؤلفها، فلا بد له أن يعترف ويكشف جوانب خفية عنه قد يجهلها كثيرون، وتمنح السيرة الذاتية ميزة التشويق والإثارة، وميزة إضافة المعلومات الجديدة والحصرية، لكن أو ليس ذلك دور السيرة الذاتية؟ كشف المختبئ خلف السطور.

قباني عن ابنه: لن ينفع الدنيا بشيء!

قد تكون بضع كلمات قيلت في ليلة مظلمة، مؤثرة أكثر من عشرات الخطب والندوات والكلمات النثرية والشعرية، مثل الكلمتين اللتين قالهما والد الشاعر الراحل نزار قباني، وذكرهما في كتابه “الشعر قنديل أخضر”، وأثرا في شخصيته، ودفعتاه نحو خوض غمار التحدي وإثبات موهبته مهما كلفه الأمر.

ذكر قباني بالحرف الواحد “كان أبي في طفولتي ينظر إلي بعينين صافيتين حزينتين ويقول لأمي (لن ينفع هذا الصبي الواهم نفسه، ولن ينفع الدنيا بشيء)”، ويضيف “مر 12 عاما على هذا الكلام، مات أبي وهو يحتفظ تحت مخدته بمسودات آخر قصائدي، آخر كلمة قالها أبي قبل أن يموت كان نصفها صلاة.. ونصفها الآخر بيت شعر قاله الولد الذي لن ينفع الدنيا بشيء.. ذهب أبي وهو يحتفظ إلى جانب زجاجات دوائه بمجموعاتي الشعرية الثلاث”.

ننتقل مع قباني إلى كتابه الآخر “قصتي مع الشعر”، ويروي فيه جانبا واسعا من سيرته، ومما يستوقف القارئ ما كتبه عن وصال أخته الكبرى، التي قتلت نفسها بكل بساطة وشاعرية منقطعة النظير، لأنها لم تستطع أن تتزوج من تحبه، يقول “صورة أختي وهي تموت من أجل الحب محفورة في لحمي، لا أزال أذكر وجهها الملائكي وقسماتها النورانية، وابتسامتها الجميلة وهي تموت.. كانت في ميتتها أجمل من رابعة العدوية، وأروع من كيلوبترا المصرية”، ويضيف في سيرته الممتعة “حين مشيت في جنازة أختي، وأنا في الـ15، كان الحب يمشي إلى جانبي في الجنازة، ويشد على ذراعي ويبكي، وحين زرعوا أختي في التراب، وعدنا في اليوم التالي لنزورها، لم نجد القبر.. إنما وجدنا في مكانه وردة”، وهنا يتجلى تأثر الشاعر بهذه الحوادث التي كشفتها سيرته الذاتية، فهل كان شعر قباني انتقاما من مجتمع يرفض الحب، ويطارده بالفؤوس والبنادق؟

صدمات الحياة .. لكنها تستحق

“إن الإحساس بالنجاح لا يكون بمقدار ما يحققه الإنسان، بل بمقدار العقبات التي استطاع أن يتغلب عليها، والشجاعة التي تعامل بها مع هذه العقبات”.. هكذا يقول أوستن ألبرت ماردن الكاتب الأمريكي الملهم عن مصاعب الحياة وتحدياتها، وكيف يجب أن ينظر إليها كاتب السيرة الذاتية في حديثه عن نجاحه وإنجازاته، وهذا ما يلمسه القارئ في كتب السيرة مثل “الأيام” لطه حسين، وكتابي “زهرة العمر” و”سجن العمر” لتوفيق الحكيم، وغيرها من كتب السيرة الشهيرة.

بعد كل ما مر به الشاعر الراحل محمود درويش من تهجير وسجون ومنفى، وجد أن “على هذه الأرض ما يستحق الحياة”، وحمل معه ذكريات أمه إلى المنفى، فكتب في لبنان رائعته “أحن إلى خبز أمي”، التي تغنى بها الفنان مارسيل خليفة، وبقيت شاهدا خالدا على سيرة درويش الذاتية وحنينه إلى أمه والوطن.

ومثل هذه المصاعب حكاية فدوى طوقان الشاعرة الفلسطينية الراحلة في التعليم، فهي لم تتعلم في سن صغيرة، بعد أن رفض أخوها يوسف ذلك لعادات ووهم في رأسه، وتخبرنا في سيرتها الذاتية كيف أنها أصرت على التعلم، ووضعت برنامجا لذلك، وعن التجربة دونت في كتابها “رحلة جبلية رحلة صعبة.. سيرة ذاتية”، “كرست ساعات الفجر لدراسة قواعد النحو والصرف، وقد أتممت جميع أجزاء “النحو الواضح” تأليف علي الجارم ومصطفى أمين، أتممتها كلها جزءا جزءا.. بما في ذلك “البلاغة الواضحة” للمؤلفين أنفسما، وإذا كنت خصصت ساعات قبل الظهر لحفظ الشعر مع القيام بأعمال المنزل في آن واحد، فقد كرست ساعات بعض الظهر للمطالعة المركزة”، لتروي كيف أنها غاصت في أمهات الكتب العربية مثل “البيان والتبيين” للجاحظ و”العقد الفريد” و”الأغاني” وغيرها.

ومن حب قباني وطفولة طوقان إلى فقر جبرا إبراهيم جبرا، الذي عاش طفولة بائسة وفقرا مدقعا، فحينما كان يطلب من أمه في صغره قرشا ونصف قرش ليشتري دفترا وقلما كانت ترفض، بل إن العائلة قررت بيع حذاء حصل عليه كجائزة على مثابرته، من أجل شراء بعض حاجات العيد، وذلك وفقا لكتابه “البئر الأولى”.

عقارب في فراش محمد بن راشد

ليست فدوى طوقان وحدها من تعلمت بالطريقة الصعبة، فمثلها يسرد حاكم دبي الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم في كتابه “قصتي” كيف أن والده أخذه إلى شيوخ المناصير في الصحراء، ليتعلم الصيد بالصقور والكلاب، ويروي كيف كان يستيقظ على لدغات عقارب صغيرة كانت تبحث عن الدفء في فراشه، فيقوم متألما، ويضع الرماد على اللدغات لينحسر السم ويسهل امتصاصه.

كان يقوم محمد بن راشد من ثلاث إلى أربع مرات من فراشه متألما من لدغات العقارب، وكان يستغرب أنه الوحيد الذي تلدغه العقارب، واكتشف حينها أن الشيخ حميد الذي يبيت عنده كان يجمع من عشر إلى 12 من صغار العقارب ويضعها في فراشه متعمدا. فماذا كان غرضه من ذلك؟

يقول محمد بن راشد “إن هدفه كان أن يبني مناعته ضد لدغات عقارب الصحراء المميتة، عن طريق هذه الجرعات من العقارب الصغيرة ولدغاتها، فليس كل ما يؤلمك هو شر، أحيانا فيه الخير”.

بالطبع عقارب الصحراء أهون من عقارب البشر، فقد تعلم الشيخ محمد وهو صغير كيف يعيش في الصحراء مع هوامها ودوابها، مع ذئابها وغزلانها، مع بردها وحرها وتقلباتها، وبعد الثامنة علمه والده كيف يعيش في المدينة مع البشر، ويقول عن التجربة “ما أقسى البشر، وما أجمل الصحراء”.

كتابه الممتع يروي نهضة دبي، وتأسيس الإمارات باتحاد سباعي، يعيش ازدهارا وحضارة.

المصدر الاقتصادية

مبادروة ملتزمون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى