المقالاتنبضة قلم

“الأكثر مبيعاً” بقلم الاعلامية : سلافة ريان

بقلم :سلافة ريان

أعتاد موظفي تلك المكتبة في الحي الذي أسكنه على وجودي جذلى في قسم الكتب كل شهر أتجول بين أروقته أستنشق شذى الورق وأترك روح الكتاب تنادي روحي لأقتنيه واحتضنه بعشق وشوق واحتفال مهيب.
سألت الموظف المتفاني الذي يشاطرني شغف الكتب ويحفظ كل كتاب ومايحويه ماهي كتب هذا الشهر؟!
صدمني بقوله لاشيء مهم أو ذا قيمة الكتب الأكثر مبيعاً هي المستهلكة الفارغة الفحوى !
عدت هذا الشهر برواية واحدة انتهيت منها سريعاً ولكن تبادر لذهني سيل الأسئلة التي تقض مضجعي ليلة كل أحد ولاد مقالي الأسبوعي هل نحن في ‫عالم لا تتحدد فيه عظمة الشيء إلا بالأرقام ؟!‬
‫تتحدد عظمة نجاح باهر بحجم المبيعات ؟!‬
‫وعظمة حدث أو عرض بنسبة مشاهديه ؟!وعظمة شخصية عامة بعدد من حضروا جنازته؟!‬
‫ وعظمة المفكرين المشهورين بعدد الاستشهادات بأعمالهم؟!‬
الكتاب الأكثر مبيعاً عبارة مكتوبة على أغلفة معظم الكتب الاجنبية المترجمة وكثير من الكتب العربيةالشهيرة هذه العبارة تضعها دور النشر كعلامة للجودة وكوسيلة ترويجية *لجذب القارئ من أجل‫ الشراء ‬
هل ننظر للكتاب باعتباره خدمة ثقافية وليست سلعة ؟
*هذه النظرة تغيرت بعد أن صارت المجتمعات العربية مثل نظيرتها الغربية مجتمعات استهلاكية بامتياز وصار كل شيء فيها معروض للبيع والشراء حتى الأشياء المعنوية مثل المعرفة والثقافة وبعد أن تم إنشاء العديد من دور النشر والمكتبات الخاصة تحول الكتاب مثل كل شيء إلى سلعة استهلاكية لذلك نجد احتفاءاً واهتماماً كبيراً بالكتب التي تدخل قائمة الأكثر مبيعاً وتباع عدة طبعات في أسابيع قليلة ونجد القراء يتأثرون بهذه الدعاية *ويتهافتون على شراء تلك الكتب.
كثير من الناس يتأثرون بالأرقام ويعتقدون أنها *أفضل مقياس لتحديد أهمية الكتب فالأرقام صماء ومحايدة لا يمكن أن تكذب أو تجامل أحد والقراء لا يمكن أن يدفعون أموالهم ويقبلون على شراء كتاب عديم القيمة.
*لكن هل هذا صحيح ؟
هل المبيعات هي أفضل وسيلة لمعرفة مدى جودة وأهمية الكتاب ؟
وهل الكتب الممتازة والأعمال الادبية الرائعة لابد أن تبيع عشرات الطبعات ؟
وهل الأعمال الادبية التي لا تحقق مبيعات كبيرة هي بالضرورة أعمال ضعيفة فنيًا ولا تستحق* الاقتناء ؟
الواقع يؤكد عكس ذلك تماماً إذا اطلعت على* بعض الكتب الاجنبية والعربية* الشهيرة التي تتربع على قائمة الأكثر مبيعاً فربما تفاجئ* أن بعضها سيء وضعيف وبعضها في أفضل الأحوال متوسط المستوى وقليل منها يمكن أن نصفه بأنه جيد ويستحق القراءة

*لماذا تحقق الكتب التافهة والضعيفة نجاحاً تجاريا أضخم من الكتب الجيدة والعظيمة ؟
وهل نجاح تلك الكتب راجع إلى فساد ذوق القراء المعاصرين ؟
أم أن قائمة الأكثر مبيعاً خادعة*ولا يمكن اتخاذها كمعيار لتقييم مدى شهرة الكتب أو نجاحها ؟
في رأيي أنها ليست خادعة لأن هدفها هو تقييم حجم مبيعات الكتب فقط وليس تقييم جودتها والسبب الرئيسي لنجاح الكتب الخفيفة أو التافهة في تحقيق مبيعات كبيرة *هو* أن القارىء المعاصر لا ينظر للكتاب باعتباره عملاً فنياً يستحق أن يكتشفه ويتذوقه* ويستمتع به ولكن باعتباره سلعة استهلاكية لابد أن تحقق له فائدة مباشرة وسريعة هذا ما يفسر نجاح الكتب الساخرة والروايات التافهة وكتب التنمية البشرية
هذه الكتب والتي عادة ما تكون مكتوبة بطريقة سهلة ومباشرة يشتريها القارىء لكي* يتسلى بها أثناء السفر أو أثناء الانتظار و ينفصل عن الواقع ويحصل على بعض الضحكات أو يشعر بالتشويق لإنهاء القصة أو يحصل على نصائح في الحب والزواج والعمل بطريقة لطيفة وعملية.
في المقابل نجد تراجعاً كبيرا في* مبيعات كتب الشعر والمسرحيات والروايات التاريخية والفلسفية العميقة لأنها أعمال فنية ولا يمكن أن تتحول لسلع استهلاكية والمستهلك يريد *كتاباً سهل الهضم خفيف المحتوى مباشر في العرض قليل في عديد الصفحات ويمكن الانتهاء منه سريعاً إنه لا يملك الوقت أو القدرة على قراءة كتاب يتطلب منه التركيز والقدرة على الفهم والتأمل.
هذا لا يعني أن كل كتاب فشل تجارياً هو بالضرورة عظيم وسوف يعيش مع الزمان أو أن كل كتاب ناجح تجارياً هو بالضرورة سيء .
لكن من المهم أن ندرك *الجودة الفنية والإبداع لا يؤديان بالضرورة إلى النجاح التجاري وأن النجاح التجاري لا يعني بالضرورة العظمة والاهمية وأن الكتب لا يٌمكن أن تعامل كسلعة مثل الطعام الذي إن لم يشتريه المستهلك فوراً سوف يفسد ويصبح مصيره المحتوم سلة المهملات.
لو اضطررنا أن نتعامل مع الكتب كسلعة فلابد أن نراها باعتبارها *سلعة معمرة وليست سلعة استهلاكية أو موضة عابرة .
إنك عندما تشتري كتاباً جيداً تحصل على صديق حقيقي يمكن أن يؤنس وحدتك ويوسع مداركك و يعيش معك للأبد لا تتسرع في اختيار كتابك الجديد ولا تنخدع بدعايات الأفضل مبيعاً والكتب التي باعت الآف الطبعات بدون أن تتأكد من محتوى هذه الكتب حتى لا تجد نفسك اهدرت نقودك على حفنة من الاوراق تحتوي على هُراء.
تُرى كم كتاب ندمتِ على شراؤه؟!
وكم كتاب تقتنيه شعرت أنه كنز وجب اقتناؤه في كل بيت ؟!
وكم من سيل الكتب الذي جعلك تقف عاجزاً أيهم ذاقيمة تضاف إليك؟!
وكم كاتب قلت في ذاتك ليت كل مايكتبه من الأكثر مبيعاً؟!
وهل يوجد كاتب عربي كلما انهيت كتابه تقول ليت مداده لاينتهي ؟!

مبادروة ملتزمون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق