المقالاتنبضة قلم

ثقافة التفاهة… بقلم الكاتبة: سلافه ريان

بقلم : سلافه ريان

ماذا يحدث إذا توقفت عن التفكير ؟!
ماذا يحدث إذا قضيت حياتك خائف من الإدلاء برأيك؟!
لماذا يكره أغلب الناس القراءة والمعرفة؟!
ولماذا يفضلون قضاء وقتهم على المقاهي ومشاهدة مباريات كرة القدم؟!
لماذا تفضل البنات الحديث عن أحدث صرعات الموضة و( الفاشونيستات) وإنكِ إذا لم تضعي (رموش اصطناعيه )فأنتِ إنسانة لاتفقه أبجديات الحياة !!
إننا من فرط كراهيتنا للتفكير نعتبره مرض ونصف الشخص المهموم بأنه ( عنده فكر ).
الشخص الطبيعي لنا هو صاحب العقل الفارغ الذي لا يفكر ولا يتدبر ولا يشغل عقله بأمورعميقة أو معقدة أما الشخص الذي يجرؤ على السؤال والبحث والتفكير في شئون الحياة فهو مصدر كبير للخوف والشفقة بالنسبة للأغلبية.
إننا نخاف منه لأنه يحاول أن يجبرنا على ترك السطح والاستيقاظ من غفوتنا وهذه اليقظة ستجعلنا نرى الأمور بطريقة مختلفة عن التي نعيش فيها وسنشفق عليه لأننا ندرك أن مصيره سيكون الجنون أو الوحدة.
التفاهة ليست ظاهرة أو صفة أو سلوك شخصي, انها أسلوب حياة وثقافة تعلمناها منذ الصغر تعلمنا التفاهة في المدرسة التي تجبرنا أن نلغي عقولنا ونحفظ بدون أن نفهم ولا نجادل المدرس حتى نحصل على الدرجة النهائية و تعلمنا التفاهة من الكبار الذين أجبرونا على الصمت والهدوء والطاعة العمياء وعدم المناقشة حتى نكون في نظرهم أطفالا مؤدبين كذلك تعلمنا التفاهة من رجال الدين الذين أغلقوا باب الاجتهاد وأعلوا من شأن الطقوس واختصروا الدين في الحجاب واللحية والسبحة تعلمنا التفاهة من وسائل الاعلام التي مجدت الفنانين ولاعبي الكره والراقصات وبرامج الحوارات الجوفاء حتى الفن لم يسلم من التفاهة بل استسلم لها وصارت هي القاعدة سواء في الأفلام والمسرحيات التي علمتنا كيف نضحك على (الأقزام) و(المشوهين) و(أصحاب العاهات) و(ذوي الاحتياجات الخاصة) وكل شخص غريب أو مختلف وأن نضحك على أي قصة بدون معنى طالما أنها تمتلئ بالنكات التافهة والرخيصة.
نحن محاطون بالتفاهة من كل جانب ومجبرون على ممارستها حتى لو كنا نكرهها حتى يتقبلنا المجتمع.

راقب الجلسات العائلية والجلسات بين الأصدقاء سترى الجميع يبتسمون حتى لو كان البؤس يطل من أعينهم يشتكون من حالة الطقس حتى يتجنبون الشكوى من أحوالهم يضحكون حتى لو كانت النكات التي يلقونها مكررة وثقيلة ، يدعون التفاؤل ويتظاهرون أن القادم أفضل ، ينشغلون بمراقبة الآخرين وانتقادهم والسخرية من أشكالهم وملابسهم و يستمتعون بممارسة النميمة والغيبة والحكم على الناس بدون أن يعرفوا ظروفهم لكي يثبتوا لأنفسهم أنهم أفضل وأن حياتهم أحسن من غيرهم.يتحدثون كثيرا ويثرثرون بدون أن يقولوا أي شيء.
الثرثرة تجعلهم يملئون الوقت بالكلام وتجنبهم التفوه بأي كلام له معنى يتحدثون في كل شيء إلا الأشياء التي تشغل بالهم فعلاً يمرون على الموضوعات العامة مرور الكرام ويتجنبون الإفصاح عن أراءهم الحقيقية طالما أنها تخالف رأي الاغلبية .
لقد توقف البعض عن مراقبة الناس بعد أن اعتاد ممارسة الرقابة الذاتية وردع أنفسهم بأنفسهم وردع أي أحد يجرؤ على الخروج عن الإجماع الشعبي و الاتيان برأي مختلف أو غريب وبالتالي يضطر كل شخص أن يحتفظ بأفكاره لنفسه أو يمحيها تماماً من عقله ويجاري الآخرين وينغمس معهم في التفاهات.
القمع الفكري هو الأب الشرعي للتفاهة فعندما تضع حدوداً للتفكير ويصبح هناك هامش للحرية وحدود للكلام وعندما يصبح التفكير المختلف جريمة تجعلك منبوذاً من محيطك وأصدقائك يصبح أمامك اختيار الهروب من العمق والاكتفاء بالعيش فوق السطح والهوس بالمظاهر والحكم على الكتاب من عنوانه. والانغماس في سفاسف الأمور.
التفاهة هي وسيلتنا الوحيدة لحماية أنفسنا من التفكير في حياتنا ومن قسوة الواقع (كُلاً حسب ظروفه ) وقسوة الآخرين وغضبهم علينا.
التفاهة مغرية لأنها مريحة لكن الراحة التي تجلبها تؤدي إلى الموت البطيء للعقل والروح.
المشكلة أن اعتيادنا على التفاهة يجعلنا نعيش في فقاعة من الاكاذيب يمكن أن نتفجر في أي وقت إننا نعيش مغتربين عن أنفسنا حتى نحافظ على بقائنا ننكر الحقيقة حتى لو كانت واضحة كالشمس ونتظاهر أن كل موضوع صغير هو في الحقيقة كبير وكل موضوع كبير لا يستحق التفكير.
لقد خلقنا الله أحرارا في الأساس ولكن من اعتاد على القمع الفكري بأي شكل يمارسه على نفسه لابد أن يخاف من الحرية الفكرية ويحارب كل من يطالب بها ومن اعتاد على الحياة في مستنقع التفاهات لابد أن يكره أي تفكير حقيقي.

مبادروة ملتزمون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق