الإعلامي عبدالعزيز قاسمشريط الاخبار

يا لتينك العينين الساحرتين للشقراء الروسية!!

بقلم: عبدالعزيز قاسم
اعلامي وكاتب صحافي .
أنهيت كتابي الجديد في أدب الرحلات “أوزبكستان منجم العلماء.. سياحة في بلاد الإمام البخاري”، والكتاب في طور طباعته مع دار النشر الرائدة “مكتبة الرشد”، وهنا مقطع من الكتاب، بعنوان:

يا لتينك العينين الساحرتين للشقراء الروسية!!

“الذكريات شيء فوق الإرادة، فوق القلب وفوق المشاعر، لهذا هي لا تُنسى”. مارك توين (كاتب أمريكي)
حالما استقرت الطائرة على مدرج المطار الحديث للعاصمة الأوزبكية الجميلة طشقند، إذا بالذاكرة تجوس في تلكم الحقب القديمة التي أتيت، قبل ثلاثين عامًا وصديقٍ عزيزٍ عليّ يرحمه الله، إذ الروح السوفييتية المشكِّكة في أي غريب، تهيمن على كل جزء من المطار القديم المتهالك وقتذاك.
أتذكر أننا كنا ندخل صالة المطار الضيقة، ضعيفة الإنارة، مظلمة الزوايا، كئيبة المنظر، والمسافرون محشورون في ردهاتها، وصياحهم يعلو، في مشهدٍ خالٍ تمامًا من ذلك الانضباط الذي نحمله نحن عن الغرب، فكان شكل المطار الصغير القديم، وتصميم وهيئة المبنى المتهالك، فضلًا عن الفوضى وعدم انضباط المسافرين، من الأشياء التي صدمتنا مباشرة، ناهيك على أن العاملين -في معظمهم- بالمطار لا يعرفون سوى اللغة الروسية، وحتى من يعرف الإنجليزية، فلا يجيدها بشكل كامل.
كانوا -وقتذاك- يقدمون لنا أوراقًا صفراء شبه مهترئة، صغيرة الحجم، مكتوبة بالأحرف الروسية، التي لا نفقه منها شيئًا، كي نملأها ونقدمها لموظف الجوازات، ويطلبون تسجيل النقود التي معنا، ونوعيتها إن كانت دولارات أمريكية أو عملات أخرى، وكانت العملة الخضراء ذات بريق وقتها، فكنا نجد عناءً وعنتًا كبيرين، حتى نملأ تلكم الأوراق في المساحات الضيقة، التي بالكاد تكفي خطوط الذي نستعين به من المسافرين الأوزبك ليملأها.
كنا نمكث في تلك الصالة قرابة الأربع ساعات، ليتحقّقوا من هوياتنا، وما جئنا له، فيما الصفوف تمتد حيال كبينتين فقط للجوازات، وبالطبع بمجرد أن يلمحوا جوازاتنا المختلفة، يطلب الضابط منا التنحي عن الصف والجلوس في مقعد بعيد في آخر الردهة، وننتظر طويلًا حتى يأتي ضابط آخر، ليستجوبنا عن سبب مجيئنا، ومكان ومدة إقامتنا، وأسئلة متشعبة، تضحك فيها على حوار الطرشان -بحقٍّ- بيننا، فما ثمّة إلا الإشارات، ومزيج من الإنجليزية والعربية والأوزبكية، حتى يفهموا منا، وبعد لأيٍ ومعاناةٍ وحنق، ننتهي لضابط الجوازات الذي سيختم جوازاتنا.
انتهى ذلك كله، وبتنا اليوم أمام مطار أبهة وحديث، لا تقف أمام الكبينة سوى نصف دقيقة وتسمع صوت الختم الذي يطرب قلبك معه، فقد قفزت أوزبكستان وتلكم البلدان في آسيا الوسطى قفزات هائلة في التمدن.

الضابطة الحسناء

“على الجسر، في بلد آخر، قال لي: يُعْرَف الغرباء من النَّظَر المتقطّع في الماء أو يُعْرَفون من الانطواء وتأتأة المشي، فابن البلاد يسير إلى هدف واضحِ مستقيمَ الخُطى، والغريب يدور على نفسه حائرًا”. محمود درويش (شاعر فلسطيني)
لن أنسى ما حييت المواقف الطريفة التي حدثت لنا وقتذاك، ومن تلك المواقف أنه عند تقدمنا، رفيقي -يرحمه الله- وأنا، تجاه كابينة الجوازات، ألفينا أنفسنا أمام ضابطة روسية شقراء شابة، أخذت تُمعن النظر طويلًا في وجهينا، وتُركّز على أعيننا، وإذا بنا نطرق -بردة فعلٍ عفوية- رؤوسنا للأسفل خجلًا من تلكم النظرات، ونعود لنطالعها فنجد ابتسامة عريضة تملأ وجهها، ونحن لم نصادف -طيلة حياتنا- فاتنة شقراء تتفجر جمالًا تصوِّب نظرها بهذا الشكل المُركّز علينا، وتضع عينيها بأعيننا وابتسامة خلابة تملأ وجهها الذي بدا لنا بريئًا جدًا، وكنا حينها في منتصف العشرينيات من أعمارنا، وبالطبع كانت ردة فعلنا التلقائية مباشرة، إرخاء أعيننا للأرض حياءً وخجلًا، من وحي تربيتنا المحافظة. وعندما تنصرف عينا تلك الضابطة الشقراء لمطالعة جوازاتنا، نعود لرفع أعيننا تجاهها، فتكرّر علينا النظر المُتمعّن بذات الابتسامة الخلابة، ما جعل صديقي يقول: ماذا تريد منا هذه المرأة، نظراتها لنا مريبة يا أبا أسامة؟ ونعود أخرى للإطراق للأسفل، وهكذا دواليك، وقد رابنا أمرها، وظنناها معجبة أو تريد مواعدتنا، وذهبت بنا أخيلتنا بعيدًا، وقد استبدّت النرجسية الذكورية بنا، من سحر تلك الشقراء، وإلى لحظة كتابة هاته الأسطر لا أنسى تلك النظرات من عينيها الخضراوين، كما قال الشاعر البغدادي:
إنّ العيونَ لها بوحٌ ورَقرقَةٌ
أسمى وأفصحُ مما قِيل، أو كُتِـبا

بيد أن ذلك البيت أبعد ما يكون عن هاته الحسناء الروسية، التي انفجرت المسكينة بعد محاولاتها اليائسة معنا، وإطراقات أعيننا للأسفل، تهمهم بلغتها الروسية، وقد زايلتها تلك الابتسامة والنظرات المركزة علينا، لتتحدث بنوع من الضجر مع ضابط روسي آخر يكبرها سنًا ورتبة، والذي جاء بدوره إلينا، يُشير بيده لعينيه أن ننظر تجاهها، وامتثلنا وقتها له، فإذا بها تحدّق مليّا في أعيننا، وتطابقها مع الصورة في الجواز، لتتنفس الصعداء وتختم جوازاتنا، لكأن جبلًا أُزيح عن كاهلها، وعلمنا بعدئذ أن هذه النظرات إنما هي لمطابقة بصمة العين، التي تعلموها في المدرسة السوفييتية الاستخباراتية العتيدة، ( كي جي بي)، ومطابقتها تلك نفس ما تفعله -في الوقت الحاضر- الكاميرا التي تُصوّرنا عند كبائن الجوازات، وهاته الحسناء الشقراء إنما هي ضابطة استخبارات متخصصة، وتذكرنا أفلام “جيمس بوند”، وأنها بحركة جودو واحدة تسقطنا على الأرض مغمىً علينا، وهرعنا -جريًا- للخروج والخوف مستبدٌّ بنا، وأضحك ملء فمي اليوم، وبعد قرابة ثلاثين عامًا، على سذاجتنا، وأخيلتنا التي ذهبت بعيدًا، وكما قيل إن البدايات تُحفَر في الذاكرة، فوالله لأجد نفسي مبتسمًا، وقد غمرتني المشاعر، كلما أتذكر ذلك الموقف.

مبادروة ملتزمون

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى