الإعلامي عبدالعزيز قاسمشريط الاخبار

ابتسامة فيروزة.. هناك في خوارزم بقلم الاعلامي وكاتب صحافي: عبدالعزيز قاسم مقتطفات من كتابي الجديد في أدب الرحلات "أوزبكستان منجم العلماء.. سياحة فيبلاد الإمام البخاري" الذي سيصدر الأسبوع المقبل إن شاء الله عن "مكتبة الرشد" الرائدة.

مقتطفات من  كتابي الجديد في أدب الرحلاتأوزبكستان منجم العلماء.. سياحة فيبلاد الإمام البخاريالذي سيصدر الأسبوع المقبل إن شاء الله عنمكتبة الرشدالرائدة.

ابتسامة فيروزة.. هناك في خوارزم

بقلم: عبدالعزيز قاسم

    اعلامي وكاتب صحافي

*”لم أرَ في بلاد الدنيا أحسن أخلاقًا من أهل خوارزم، ولا أكرم نفوسًا، ولا أحبّ فيالغرباء“. ابن بطوطة (أشهر رحالة عربي)*

وجدتني أهتف، وأنا ألتقط الصور والأفلام لمتابعيّ وأصدقائي، في جولتي عبر الأزقةالقديمة في مدينة خوارزم، مأخوذًا بدهشة المكان وسحر الأجواء وتاريخية المباني: “ياأحبّة.. أقسم لكم، كأنني في عالمِ ألفِ ليلةٍ وليلة، وها أنا أتلفت يمنة ويسرة، علّي أطالعذلك الجني الذي يخرج من القمقم، أو بساط الريح الذي يطير وحده!”.

لستُ وحدي الذي عصفت به تلك المشاعر، وعاش مناخات تلكم العصور الوسطى، بل ثمةصحافية غربية، اسمهاجالينا بولونسكايا، زارت المدينة القديمة في خوارزم، وكتبت: “حسب الأسطورة فإن ابن النبي نوح كان مسافرًا عبر هذه الصحراء، ورأى القلعة فيمنامه، وعند استيقاظه وجد نبعًا عذبًا، لذا قرّر أن يبني هذه القلعة. إنها مدينة قصصألف ليلة وليلة، تستيقظ على ألحان الماضي، وتداعب التاريخ العريق من خلال صناعةالتحف الخشبية“.

كلما زرت مدن أوزبكستان التاريخية: بخارى، سمرقند، ترمذ، خوارزم، فرغانة وغيرها منالمدن التي تحمل تاريخًا مجيدًا، أراها في كل مرة تتجدّد، والعادة أن السائح، المثقفبالخصوص، يمتلئ من مرة واحدة أو مرتين بالأكثر، وينصرف إلى مدائن أخرىيكتشفها، تستنفر حواسه وفكره واهتمامه، بيد أن هاته المدن في أوزبكستان، لا تفكّسحرها أبدًا، إذ تكتشف عوالم جديدة، وأسرارًا لم تطلع عليها قبلًا، تكتمها عنك كي تأتيإليها مرات ومرات.

دليلناالفارع الطولفي المدينة القديمة بخوارزم، يهمس لي بكل تباهٍ وفخر، وهو يُصلحالجُوغرماعلى رأسي، وهي قبعة أهل خوارزم الشهيرة، ويقول لي: *”خوارزم ليسفيها ذهب ولا فضة ولا أحجار كريمة، بل بها العلم والموهبة في الحِرف“*. وصدق الرجل،فعلى مدى التاريخ، اشتهرت خوارزم بفن النحت، وبأنها موطن العلماء.

      الطريق إلى خوارزم

انطلقنا عبر خط اسفلتي رائع من مدينة بخارى، نقصد خوازرم هذه، ومررنا في طريقنابمدينةأورقانج، هكذا نطقها سائقناأولغ بيك، وعندما عدت لأقرأ عنها ألفيت أنهاتُكتب أحيانًاكركانجأوأركنجأوأوركنج، وهي مدينة لها تاريخٌ مجيد، فقد سماهاالعربالجرجانية، وكانت تُعدّ درّة إقليم خوارزم الثانية، وكانت تُعرف بوجه عام بمدينةخوارزم. وقد زارها ياقوت الحموي (الرحالة والجغرافي العربي) عام 616 هـ/ 1219م، وقالعنها: *”لا أعلم أني رأيتُ أعظم منها مدينة ولا أكثر أموالاً، وأحسن أحوالاً“.*

ومنذ القرن (الثامن الهجريالرابع عشر الميلادي)، أصبحت خوارزمالجرجانيةهذه،من أعظم مراكز الحضارة الإسلامية في آسيا الوسطى.

والحمد لله أننا وصلنا إلى مدينةخيوةفي وقت أبكر، فقد أخبرنا السائق أننا سنصلعلى الثانية عشرة ليلًا، ولكننا وصلناه في العاشرة والنصف مساءً، وربما كان السببهو الطريق المسفلت بشكل جيد، والواسع أيضًا، وخلوه من السيارات، لأن معظم سيرناكان ليلًا، والأهم أن السيارة لم تعطب بنا أو تتوقف.

        ابتسامة فيروزة

*”الابتسامة الدافئة، هي اللغة العالمية الوحيدة التي من الممكن أن يفهمها جميع الناس“. ويليام آرثر وارد (مؤلف أمريكي)*

ثمة فندق جميل، اسمهخيوا بلازا، ولأن الوقت الذي نسافر فيه وقت شتاء، والكلمستقرٌّ في مدينته، فقد كان فارغًا من النزلاء إلا منا، واستقبلتنا شابة خوارزمية صغيرةاسمهافيروزة، بكل طيبة وبهاء، ما جعل رفيقيأبو سلمانيشتم موظف الاستقبالفي بخارى، الذي استيقظ متكدرًا، وقابلنا بطريقة باردة ومنفّرة، بينما هذه الشابةالرائعة، أضفت على أرواحنا كثيرًا من النشاط، وبدّدَت التعب الذي كنا عليه، بابتسامةبريئة تنُمّ عن طهارةِ قلبٍ وصفاءِ روح، وعرفت لماذا تتفنن الفنادق الكبرى، بل وعمومالشركات، في وضع فتيات أو شباب على هيئة حسنة، ليقابلوا النزلاء بابتساماتٍصادقة، ويعطونهم دورات في فنِّ المخاطبة، ويقينًا فإن ابتسامة هذه الشابة وحديثها منفطرتها، ومن وحي تعاملها الراقي والعالي معنا، وابتسامتها الساحرة تلك.

بمجرد أن وضعنا حقائب السفر في مهاجعنا بالفندق، انطلقنا إلى المطعم، وتعشينابعض الذي طهوه لنا بشكل سريع، فقد أتعب السُكّر رفيقيأبو سلمان، فأكل كثيرًا،فضلًا عن وصية والدتي التي تؤكد في كل رسالة صوتية لها أن آكل بشكل جيد، فكانتتقول لي: إن لم تأكل جيدًا في تلك البلاد، ستمرض مباشرة، لأن جسمك لا يؤهلك علىتحمّل بردها، لأنك غير معتاد على الصقيع.

كان كلام والدتي في محله، فقد كانت درجة الحرارة فيخيوة” (اسم خوارزم الحالي) تصل إلى خمس درجات تحت الصفر، وبرد صحراوي يتغلغل في العظام. ومن أطرف ماقرأتُ عن برد خوارزم هذا، أبيات أبو منصور الثعالبي (أديب ولغوي صاحب كتاب يتيمةالدهر):

*للهِ بردُ خوارزمٍ إذا كَلِبَتْ*  *أنيابُهُ، وكَستْ أبدانَنَا الرَّعدَا*

*فالشمسُ محجوبَة ٌ، والريحُ مُدْمية ٌ*

*جلودَ قومٍ أضاعُوا الصَّبْرَ والجَلَدا*

*والماءُ مُستَحجِرٌ، والكلبُ منجَحِرٌ*

*والزمهريرُ يسوقُ الصِّرَّ والصَّرَدا*

*فلو تقبّل معشوقًا مُخالسَة ً*

*رأيتَ فاكَ على فيهِ وقد جَمَدا*

          ! أقوال الرحالة

ياقوت الحموي زار إقليم خوارزم، وكان اسمها في ذلك الوقتالجرجانيةفي 616 هـ/ 1219م، أوأوركاكانجعلى ما سماها به قبيل الغزو المغولي للمدينة، وقال عنها: *”وماظننتُ أن في الدنيا بقعة سعتها سعة خوارزم وأكثر من أهلها، مع أنهم قد مَرنوا علىضيق العيش والقناعة بالشيء اليسير، وأكثر ضياع خوارزم مدنٌ ذات أسواق وخيراتودكاكين، وفي النادر أن يكون قرية لا سوق فيها، مع أمن شامل وطمأنينة تامة، ولا أعلمأني رأيت أعظم منها مدينة ولا أكثر أموالًا، وأحسن أحوالًا، ثم دمّرها المغول عام 617هـ / 1220م، وطمسوا معالمها، وقتلوا الكثير من أهلها“*.

ابن بطوطة قال عنها بعد زيارته لها: *”هي من أكبر مدن الأتراك وأعظمها وأجملهاوأضخمها، لها أسواق مليحة، وشوارع فسيحة، وعمارة كثيرة، ومحاسن أثيرة، وهيترتج بسكانها لكثرتهم وتموج بهم موج البحر، ولم أرَ في بلاد الدنيا أحسن أخلاقًا منأهل خوارزم، ولا أكرم نفوسًا، ولا أحبّ في الغرباء، ينتشر في أنحائها الزوايا والمساجدوالمدارس والمدرسون الذين يعملون فيها، وكذلك المؤذنون والوعاظ والمذكّرون، والفقهاءوالقضاة الذين يحكمون في القضايا الشرعية، وما كان من سواها حكم فيها الأمراء،وأحكامهم مضبوطة عادلة، لأنهم لا يتهمون بميل، ولا يقبلون رشوة“*.

من أعجب ما قرأتُ في وصف أهل خوارزم من ابن بطوطة، فهو  ثناء تاريخي عظيم تجاهأهل المدينة، كونهم لا يتعاطون الرشوة، وأحكامهم عادلة، وهذا الحديث ذروة المجد وغايةالثناء لعمرو الله.

وسأضيف أن عبدالعزيز قاسم (صاحب هذا الكتاب) قال عنها: *”لا ألذّ من شمّام خوارزم،ولا يضاهيهم أحد في فن النقش، وهم أجمل وجوه أهل تلك الديار، لأنهم خليط بين العربوالفرس والترك“*. وفعلًا، أوصي كل من يأتي أوزبكستان أن يبحث عن فاكهة الشمّامالخوارزمي، فلم أذق في حياتي أطيب منه، ولا أسكر، ولكأن ماءه عسلًا صافيًا يلذعلسانك من حلاوته، والشمّام في عموم أوزبكستان على 25 نوعًا، ألذّها على الاطلاقشمّام خوارزم.

          فسيفساء مبهرة

*”الرَسمُ شِعرٌ صَامتٌ، والشِعرُ رَسمٌ مُتكلّم“. بلوتارخ (فيلسوف يوناني)*

ستزور المدينة التاريخية هناك في قلعةايجانوستذهلك كل الأبنية والمنارات القديمة،وسترى جدرانًا مليئة بالنقوش، تقف ذاهلًا وحائرًا وأنت ترى تلكم الآيات القرآنيةوالأحاديث النبوية وأبيات الشعر الخالدة تزيّن تلكم الجدران هناك، وهي مكتوبة بأحرفعربية صميمة، تفنّن خطاطوها في نقشها بتلك الفسيفساء الرائعة. بل كل زاوية في تلكالجُدر لها نقشٌ مختلف، يحكي فكرة معينة حاول نقشها ذلك النحّات، ولو جلستُالساعات الطوال لما انتهيتُ من استطعام الفن الذي تحويه تلكم اللوحات الفنية الرائعةعلى الجدران، وتجعل من يطالعها من بعيد، كأنه إزاء جدار مغطى بتلك الفسيفساء فقط،وليقع كما وقعت أنا في ذلك الوهم، بينما الحقيقة أنها لوحة فنية متكاملة، لا يعرفها أويميّزها إلا الفنانون المتخصصون.

خوارزم مدينةُ عجائبٍ وتاريخ.. وشهرزادُ لا تزال تروي لليوم قصصها هناك.

تغريدات: عبدالعزيز قاسم

    اعلامي وكاتب صحافي

مبادروة ملتزمون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى