المجتمع

سعيا إلى المساواة .. تطور وظيفة كبير مسؤولي التنوع

سعيا إلى المساواة .. تطور وظيفة كبير مسؤولي التنوع

أجبرت الاحتجاجات التي أعقبت مقتل جورج فلويد العام الماضي عديدا من الشركات على الاعتراف بنقاط ضعفها فيما يتعلق بالتنوع والإدماج. وكان الأثر فوريا: فقد أظهر بحث أجراه “رويال بنك أوف كندا” العام الماضي أن 40 في المائة من الشركات الـ500 المدرجة على لائحة “ستاندرد آند بورز”، ناقشت السياسات المتعلقة بالتنوع خلال مكالمات الأرباح في الربع الثاني من عام 2020، وهو ارتفاع 6 في المائة عن مثيله في الوقت ذاته من العام السابق.

كانت إحدى نتائج النقاشات الداخلية والخارجية – التي زاد من حدتها الارتفاع في حجم اللامساواة في بيئة العمل الذي كشفته الجائحة – أن مزيدا من المنظمات بدأت في تعيين مسؤول عن التنوع. فقد وظف مكتب التحقيقات الفيدرالي أولهم في شهر نيسان (أبريل)، وكذلك فعلت كلية هارفارد للأعمال في شهر حزيران (يونيو).

ووجد بحث أجراه موقع “لينكد إن” العام الماضي أن عدد الأشخاص الذين يشغلون منصب “رئيس التنوع” تجاوز أكثر من الضعف في جميع أنحاء العالم بين الأعوام 2015 و2020، بينما ارتفعت نسبة الأشخاص الذين يشغلون منصب “مدير التنوع” 75 في المائة، ومنصب “كبير مسؤولي التنوع” 68 في المائة.

يتضمن دور كبير مسؤولي التنوع معاينة وتحديد الثغرات في البنية التي تمنح فرصا متساوية في المؤسسة، وصياغة استراتيجية ملائمة لمعالجة التمييز وتحسين التمثيل في الشركة على صعيد العرق والنوع الاجتماعي والهوية الجنسية والعمر والإعاقة والطبقة الاجتماعية. وقد يعني هذا التوسع في التوظيف، وتحديد أهداف مرتبطة بالتعويضات، ومراقبة معدلات الاحتفاظ بالموظفين والترقيات، والدفع بالتغيير الثقافي.

ومع ذلك، فإن هذا المسمى الوظيفي لا معنى له إذا كان رئيس التنوع يتمتع بنفوذ محدود، أو لا توجد لديه ميزانية كافية أو هدف واضح. في بعض المؤسسات، يمكن أن يكون تعيين أشخاص في هذه المناصب بمنزلة رد فعل تجميلي غير مدروس لمعالجة الأمور التي تتعلق بسمعة الشركة.

تقول لانايا إيرفين، الرئيسة التنفيذية لمؤسسة “كوكوال”، مؤسسة أبحاث أمريكية غير ربحية تبحث في قضايا التنوع والإدماج، “تدرك الشركات الحاجة إلى إيلاء تركيز أكبر لمسائل التنوع والمساواة والإدماج. فقد نما هذا الدور ليصبح أكثر أهمية في المؤسسات وأصبح حضوره أكبر بكثير”.

من جهتها، أشارت تينا شاه بايكيداي، الرئيسة العالمية لخدمات استشارات المساواة والإدماج في شركة “راسل رينولدز أسوشيتس”، وكالة للتوظيف، إلى أن أعدادا متزايدة من كبيري مسؤولي التنوع قد تم منحهم ميزانيات وفرق عمل أكبر، وهو تطور ملحوظ عن كونهم مجرد أفراد يعملون بشكل فردي ضمن دوائر الموارد البشرية.

وبينما يوجد طلب على كبار مسؤولي التنوع، إلا أن الشركات قد لا تكون مستعدة لسماع ما سيقوله هؤلاء لهم، وهو ما من شأنه أن يشعر بعض مسؤولي التنوع بالارتباك أو التهميش.

لاحظت إيرفين أنه عندما يصل كبار مسؤولي التنوع إلى المؤسسات فإنهم يكتشفون أن الحديث عن الإدماج كان مجرد “كلام معسول [و] أن القادة ليسوا مستعدين لإحراز أي تقدم. هذا أمر مؤلم”. لكنها تعتقد أن المؤسسات قد وصلت إلى المنعطف. وفسرت ذلك بالقول، “الموظفون والمستهلكون والمساهمون سيضعون القيادة محل المساءلة”.

وتقول جيري مايسون هول، نائبة رئيس شؤون التنوع العالمي والإدماج والانتماء في “نت آب”، شركة للخدمات السحابية والبرمجيات، إن ما يحدث الفرق هو “الموارد [و] الوضوح مع القادة التنفيذيين”. وقبل توليهم منصب كبير مسؤولي التنوع، فإنها توصي المرشحين للمنصب بضرورة معرفة إذا كانت ثقافة الشركة لدى صاحب عمل محتمل تدل على أن المعركة ستكون شاقة لإقناع مجلس الإدارة بأن الحوار حول [التنوع] أمر مهم”.

تأثير بعيد المدى

في حين أن منصب كبير مسؤولي التنوع ليس جديدا، وكان يركز في الأصل على الامتثال القانوني للتقليل من التمييز في مكان العمل، فقد جعلت الأحداث التي شهدها عام 2020 هذا الدور أكثر أهمية من ذي قبل. وأشارت أزوري مونتوت لويس، الرئيسة العالمية لشؤون التنوع والمساواة والإدماج في “هيل آند نولتون ستراتيجيز”، شركة علاقات عامة، إلى أنها “بدأت أخيرا في رؤية كبار مسؤولي التنوع يتواصلون أكثر مع الرؤساء التنفيذيين بدلا من وجود حاجز قيادة بينهم. وفي هذا إشارة إلى الأهمية التي يكتسبها هذا المنصب”.

وقد جرت العادة على أن يتمتع من يشغل منصب كبير مسؤولي التنوع بخلفية في الموارد البشرية. أما الآن، فهناك اتجاه ناشئ يتولى فيه كبار القادة من أقسام الشركة هذا الدور، فقد أصبح التزام الشركات بالتنوع جزءا لا يتجزأ من اختصاصهم الأوسع.

تقول إرفين من شركة “كوكوال”، “هناك عدد قليل جدا من الشركات التي لا تريد للتنوع أن يقتصر على دائرة الموارد البشرية فقط، بل إنها تتطلع إلى الإدماج في المنتجات وتنوع الموردين والتنوع في مجالس الإدارة”. وتضيف، “عندما تفكر في ذلك، فإنه يفتح فرصا. فالعدسة التجارية التي يرون العمل من خلالها تخلف صدى لدى أصحاب المصالح “.

ومن بين هؤلاء القادة من ذوي الخبرة الواسعة جولي كوفمان، كبيرة مسؤولي التنوع في شركة الاستشارات “باين آند كومباني”. وهي شريكة في الشركة التي تعمل فيها منذ أكثر من 30 عاما، وفي الأغلب في مجال الرعاية الصحية. تقول، “لست شخصا يعمل في مجال التنوع أو الموارد البشرية. عندما تحاول مؤسسة أن تحدث مزيدا من التغيير، فإن وجود قائد متمرس كان يعمل في الخطوط الأمامية في هذا المجال قد يضع الشركة على المسار السريع نحو تحقيق الهدف المرجو”.

تقسم كوفمان وقتها داخليا وخارجيا لأنها تقود أيضا قسم التنوع في الشركة، وتقدم المشورة إلى عملائها بشأن استراتيجيات الإدماج الخاصة بهم. وتقول إن هذا الدور المزدوج مفيد لها. تقول، “بإمكاني أن أتعلم من العملاء”.

توضح كارين تايلور، التي تعمل في منصب كبيرة مسؤولي التنوع في شركة “وركداي”، شركة برمجيات للموارد البشرية والمالية، منذ ما يقرب من أربعة أعوام، أن دورها يتطلب منها أن تقدم المشورة حول بعض المنتجات – وهي “فايب سنترال” (تقارير صادرة عن مجموعة من الشركات حول التنوع) و”فايب إنديكس”. تقول، “من غير المعتاد أبدا أن يكون لكبير مسؤولي التنوع تأثير كبير في منتجات الشركة”. وترى هذا على أنه اتجاه ناشئ بات يناط به إلى كبار مسؤولي التنوع.

تحميل المسؤولية للموارد البشرية

يجادل البعض بأن إيجاد دور كبير مسؤولي التنوع في أعقاب الاحتجاجات المتصلة بحركة “حياة السود مهمة” جاء كوسيلة لتشتيت الانتباه بعيدا عن أوجه القصور في أداء أقسام الموارد البشرية. ويشير أحد رؤساء التنوع قائلا، “لم أر مؤسسة واحدة تطلب من كبير مسؤولي الموارد البشرية التنحي”.

إلا أن تيلور من “وورك داي” لا تتفق مع هذا الرأي قائلة، “الأمر لا يتعلق بفشل الموارد البشرية”. لقد شكلت الجائحة والاحتجاجات تحديات جديدة تعني أن الشركات محقة في بحثها عن مسؤولين كبار مختصين في شؤون التنوع. وتقول، “هذا المنصب جديد في أقسام الموارد البشرية والشركات”.

ويقول جوني تيلور، الرئيس التنفيذي لجمعية إدارة الموارد البشرية الأمريكية، مؤسسة مهنية، “إذا كان أي شخص مسؤولا عن التنوع والإدماج، فهو الرئيس التنفيذي”. فبمجرد أن يكون هناك “التزام جاد وعميق من الرئيس التنفيذي”، حينها يصبح “كبير مسؤولي التنوع شخصا رئيسا” في تنفيذ الاستراتيجية.

صعوبات المنصب

إن معدل الدوران بين المتخصصين في موضوع التنوع مرتفع. فقد وجد تقرير صادر عن “راسل رينولدز” أن متوسط فترة ولاية كبير مسؤول التنوع في الولايات المتحدة انخفض إلى عام وثمانية أشهر في عام 2021 مقارنة بعام 2018 الذي كان فيه المعدل 3.1 عام، ما يشير جزئيا إلى التصيد الجائر لهم. وأتى في التقرير ما يلي، “تحت الضغط لشغل هذه المناصب، يتجه عديد من الشركات إلى تعيين مديرين تنفيذيين لم يشغلوا هذا المنصب من قبل”.

إن متوسط عدد الأعوام التي يبقى فيها كبير مسؤولي التنوع في منصبه في الولايات المتحدة هو 1.8 عام مقارنة بـ3.1 عام في عام 2018.

تقول شاه بايكيداي إن الشخص الذي يشغل منصب كبير مسؤولي التنوع بحاجة إلى الدعم. وأضافت، “أنت بحاجة إلى عملية دمج واضحة للمنصب من أجل المساعدة على تحضيرهم لهذا الدور التنفيذي. وفي الأغلب ما يكون هذا الشخص المرأة الوحيدة أو أقلية، وفي الأغلب ما يلعبون دورا مزدوجا كأقلية”.

يمكن أن يكون عمل التنوع الداخلي غامرا ومنعزلا. تقول بوجا ساشديف، عالمة النفس ومؤلفة مشاركة في كتابRewire: A Radical Approach to Tackling Diversity and Difference، إن دور كبير مسؤولي التنوع يمكن أن يعني أن يتم إلقاء “الأمور الصعبة” على عاتق شخص واحد إلى جانب الشعور بأن هذا الشخص “يمكنه التعامل مع المسائل الصعبة ويمكن [للمديرين التنفيذيين الآخرين] الاستمرار في عمل ما نعمله. ويلقى بالكثير على كاهل هؤلاء الموظفين. وهناك عديد من التحديات التي تأتي مع هذا المنصب”.

إذا لم تكن المؤسسة على استعداد للتغيير، فإن ذلك سيصبح أمرا مرهقا بطريقة شخصية للغاية بالنسبة إلى كبار مسؤولي التنوع. وتقول ساشديف، “حتى مع وجود الرغبة في إحداث التغيير، فإن هذا الأمر يمثل تحديا، فأنت تدفع الناس إلى غير ما اعتادوا عليه”.

وتقول ساشديف إن الدور نفسه يمكن أن يكون سيفا ذا حدين. وتوضح بالقول، “أنت ترغب في منح السلطة للمهمشين، ولكن إذا تحدث (شخص) من الأقلية عن تجربته، فيمكن أن يبدو كأنه شخص مثير للمشكلات، وسيعتقد الناس أنه ربما يستخدم بطاقة اتهام الآخرين بالعنصرية. ويأتي كثير من المخاطر الشخصية والاجتماعية والمادية مع الحديث عن هذه المسائل”.

يقول مايسون هول إن بعض أماكن العمل تنكر الجوانب الأوسع المتعلقة بالتنوع. يقول، “لقد كان التركيز في أوروبا على الجندر”.

تقول مونتوت لويس، “في العادة، كان كبار مسؤولي التنوع يسهمون بشكل فردي ولم يكن لديهم فرق مخصصة تساعدهم، وهو ما يشكل حملا ثقيلا للغاية عليهم. وقد يكون هناك عداء تجاه هذا المنصب – ويمكنهم الشعور [بشأن] دور كبير مسؤولي التنوع بأنه “فقط لمجموعة معينة من الأشخاص وقد وضعوني في موقف غير موات”.

يرى مايسون هول أنه قد يساعد على الأمر أن تتمتع “بشخصية قوية”. ويشير إلى أن هناك سؤالا وجوديا لكبير مسؤولي التنوع، هل ستدوم هذه المهنة مدى الحياة – أم أن الهدف هو أن يصبح منصبك مندثرا؟ يقول مايسون هول، “لقد ظللت أقول لأعوام إن هدفي ألا أعمل في وظيفة”. ويزيد قائلا، “إيماني الحقيقي هو أنك إذا حققت التكامل في كل شيء فإنك لن تحتاج إلى منصب كبير مسؤولي التنوع. لكننا لم نصل إلى هذه المرحلة بعد”.

الاقتصادية

مبادروة ملتزمون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى