الإعلامي عبدالعزيز قاسم

مرغلان مدينة الحرير . بقلم : الاعلامي وكاتب صحفي عبدالعزيز قاسم مقتطفات من كتابي الجديد الذي صدر قبل يومين: "أوزبكستان منجم العلماء.. سياحة في بلاد الإمام البخاري"

مرغلان مدينة الحرير

بقلم: عبدالعزيز قاسم

اعلامي وكاتب صحفي

مقتطفات من كتابي الجديد الذي صدر قبل يومين: “أوزبكستان منجم العلماء.. سياحة في بلاد الإمام البخاري

مرغلان مدينة الحرير . بقلم : الاعلامي وكاتب صحفي عبدالعزيز قاسم

تجُولُ ببصرك في أرجاء المكان، كل جدار، وكل زاوية، وكل سقف، يشي لك بماض سحيق، بل حتى الآلات الخشبية، تبعث في نفسك بعض الرهبة والارتجاف، المكان شبه مظلم، وحتى عندما أضاء مدير المصنع المكان، كانت الأضواء خافتة تتماوج عبر ذرات الغبار المنبعث، في هذا المصنع القديم الذي عمره أكثر من مائتي عام، بمدينة الحرير مرغلان، هناك في وادي فرغانة.

بمجرد دخولكمصنع الأطلس للحرير الطبيعي، تتغشاك نسمة الماضي البعيد، فالآلات القديمة ذات الدواليب الخشبية الكبيرة، هي ذاتها المستخدمة منذ أزمنة بعيدة، بل وحتىالأوعية التي يُستخرج بها الحرير من دودة القز، لم تزل بتلك البدائية البعيدة المستخدمة في هذا المكان، من قرنين من الزمان.

كنت أتبع مدير المصنع، وأنا فاغرٌ فمي ذهولًا مما أرى، آلات بدائية قديمة جدًا، يستخرجونالحرير بذات الطريقة التي كانت عبر التاريخ، ولأول مرة في حياتي أرى دود القز، وخيوطالحرير التي تُستخرج منه، فالتفت والدهشة تملؤني لأسأل مدير المصنع: لماذا تستخدمون هذه الطريقة القديمة، وتتركون الآلات الحديثة؟ فيجيبني بابتسامة عريضة،وقد عرف الحالة النفسية التي تتلبسني مما أراه، ويتبع ابتسامته بقوله إن المبنى المجاور الحديث المسلح، يحوي الآلات التي أتحدث، ولكن ثمة فئامٌ من الناس لا تريد الحريروالقماش إلا بهذه الطريقة القديمة، فنلبي طلبها كما رأيت. زايلت وجهي تعابير التعجب، وحلّ مكانها ابتسامة ورضا، وأنا أتناول الحرير الطبيعي منه، وأمرّر أناملي عليه، وأعجب من نعومتها ورقتها، وعرفت حقًا لِمَ كان الشعراء العرب يصفون جلد المرأة الرقيقة بالحرير،كما قالذو الرمة التميميوهو يصف حبيبته:

لها بشرٌ مثلَ الحَريرِ ومنطقٌ

رخيمُ الحواشي، لا هُرَاءَ ولا هجرُ

وعَينانِ، قال اللهُ: كونا، فكانتا

فعولان بالألباب ما يفعلُ الخمرُ

تجولنا في ذلك المصنع الذي تفتخر به مدينة مرغلان في عموم آسيا الوسطى بل حتى العالم، وانتهينا إلى مكان صنع السجاد اليدوي، وهناك ترى الفن الحقيقي للتطريز، فتلك السجاجيد التي تباع بمئات الآلاف من الدولارات تصنّع هناك، وبطريقة فنية فذة عجيبة،ورأيت المرأة كيف تقتعد بطريقة خاصة، أقرب للقرفصاء، ثم تذهب لتحيط الخيوطالحريرية بدرجة مذهلة، وبلغت درجة إتقانهم أنك إن أعطيتهم صورة لك، فإنهم يحيكونهابأيديهم على سجادة حريرية بالمقاس الذي تريده.

ما رأيته هناك أذهلني، إذ تعمل النساء بدقة واحترافية ونشاط، وقال لنا مديرهم إن العمل الواحد يستغرق منهم من ثلاثة إلى ستة أشهر بحسب قياس السجاد، وأخذني الفضول، وأنا أتساءل عن غياب الرجال، فما ثمّ أمامي إلا نسوة، فأجابني إن هذا العمل صعبٌودقيق، ويحتاج لكثير من الصبر والأناة والهدوء، وأن الرجال لا يستطيعون الصبر، وليسلها إلا المرأة التي تتمتع بهذه القدرة العجيبة على الصبر، وما قاله هذا المدير تؤكده دراسة علمية حديثة، أجرتها جامعة ستانفورد الأمريكية شملت 72 ألف مريض بالولايات المتحدةعام 2012، خلصت إلى أن النساء يتحملن حدة الألم أكثر من الرجال، وثمة تقرير علمي آخر يقول إن المرأة تحمل على عاتقها أكثر مما يتحمله الرجال من مسؤوليات.

حفل الختان

حُب التقاليد لم يُضعف أمة قط، بل طالما أعطاها القوة في ساعات الخطر“. ونستونتشرشل (رئيس وزراء بريطاني)

والتقاليد التي يقول بها تشرشل هي مجموعة من قواعد السلوك التي تورَّثت، والأفعال الماضية القديمة والحِكم المتراكمة التي مرّ بها المجتمع، ويتناقلها الخَلَف عن السَّلَف جيلًابعد جيل. ورأيتُ في رحلتي هذه كثيرًا من العادات والتقاليد التي ربما تختلف عما هو شائع لدينا في المنطقة العربية، ومنها موضوع الختان، فهي هنا ذات قيمة اجتماعيةكبيرة، ربما يفوق حفلها أحيانًا حفل الزفاف.

دعانا صديقٌ لرفيق رحلتيأبو سلمانإلى حضور حفل ختان، يعقبه حفل زفاف، أيبعاميتنااثنان في واحد، وعندما أبلغني بذلك ابتهجتُ، وطلبتُ منه الموافقة علىالحضور، رغبة مني في رصد كيفية العادات الأوزبكية في الختان والزواج، ولبستُ الثوب السعودي كي أُسعد القوم، إذ من يأتيهم بهذا الثوب، يلقى تقديرًا وحفاوة كبيرين  

ولمحتُ أثناء دخولي حصانًا وعربة مكلّلة بالورود وأوراق الزينة، عرفتُ فيما بعد أن الطفل المختون يأتي راكبًا عليها، كنوع من الإجلال له، وبمجرد دخولي ألفيت صبيين في الخامسةوالسابعة من عمريهما، يلبسان لباسًا شعبيًا أوزبكيًا مزركشًا، كانا محطّ اهتمام ودلال الحضور، وكانت ثمة فرقة موسيقية تعزف بالدفوف والمزامير، ورقصنا على أنغامها، وكانواضحًا لي البذخ والأُبهة في حفل الختان هذا، واستغربت أنه ربما كان في مستوى حفل الزفاف الذي حضرته لاحقًا، بسبب اهتمام العائلة الكبير بمسألة ختان طفلهم، ورؤيتهم أنالطفل دخل الإسلام الآن، بمجرد اختتانه اللحظة.

والختان في أوزبكستان كما رأيته، له طقوس وتقاليد، إذ يأتي الضيوف من بعد صلاة الفجر، إلى مكان حفل الختان، سواءً أكان بيتًا أم قاعة مستأجرة، يلتهمون فيها طعامًا خاصًا اسمهحَلِمْ، هو أقرب للهريسة الحضرمية، ثم ينصرفون بعد تهنئة الأهل على ختان ابنهم.

وبالمناسبة ثمة أطعمة عربية صميمة جلبها العرب معهم، منها هذه الهريسة، وكذلك لحمالمندي، الذي يُطهى بنفس الطريقة العربية عندنا، ويوجد كذلك السليق الذي اسمه هناسرقروج، ولكنه يُخلط هنا في أوزبكستان بالسكر، بيد أن الأخيرة لا أدري صحةنسبتها، لأن (الرز) لم يكن شائعًا في تلك الأزمنة البعيدة.

على كلٍّ، نفحتُ الطفلين بعض الدراهم بعملة أوزبكستان طبعاالسوم، وفي الفترة التيأتيناها صرفنا الدولار الواحد بعشرة آلاف سوم تقريبًا، وفرح الطفلان أمام ابتهاجوالديهما، والحقيقة أني لمستُ اهتمامًا كبيرًا بموضوع الختان لدى الأوزبك، كأنها العلامةالتي تُميزُك كمسلم عن الآخرين من الديانات الأخرى.

مرغلان مدينة الحرير . بقلم : الاعلامي وكاتب صحفي عبدالعزيز قاسم

المقالة عبارة عن مقتطفات من كتابي الجديد الذي صدر قبل يومين:

أوزبكستان منجمالعلماء..

سياحة في بلاد الإمام البخاري

، ويباع في معرض الكتاب في مكتبة الرشد جناح  h-90K K

ويمكن طلبه عبر المتجر الالكتروني، ويصلكم لباب المنزل:

https://2u.pw/5MPIz

مبادروة ملتزمون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى