الإعلامي عبدالعزيز قاسم

احتلال الحرم… زاوية أخرى بقلم الإعلامي وكاتب صحافي : عبدالعزيز قاسم

احتلال الحرمزاوية أخرى

     بقلم: عبدالعزيز قاسم

   إعلامي وكاتب صحافي

مقالتي اليوم من كتابي الجديد، الذي أعكف على كتابته هذه الأيام: “سليمان وعبدالعزيزالقاسمقِصةُ كِفاح ومَلحمة إخاء، أسرد فيها ما واجهته أسرة العم عبدالعزيز القاسمالقاطنة أمام الحرم المكي مباشرة، وقت فتنة جهيمان

على غير عادته، وهو الذي غرست والدته المُلهمة هيلة اللاحم فيه منذ صغره أن يستيقظلصلاة الليل سَحرًا، أسرع العمُّ عبدالعزيز القاسمالذي تأخَّر عن القيام تلك الليلةلإيقاظأبنائه على عجل، في ذلك الفجر من اليوم الأول من شهر محرَّم لعام 1400 هـ؛ فقد كانيحرصيرحمه اللهعلى صلاة أهل بيته لتلك الفريضة، فتراه واقفًا على أبنائه، يحثُّهمعلى أن ينتهوا من وضوئهم، ثم يصطحبهم معه لأداء صلاة الفجر جماعةً في الحرم المكي.

كانت العمارة التي تقطنها العائلة فيزُقاق الحَمَّامبحيِّالقشاشيةالشهير؛ عمارةٌحديثةٌ (مسلَّحة) وسط بيوت قديمة ذات نمطٍ مكيٍّبرواشينهاالخشبية التي تَشيبقِدمِها، وتطلُّ على الحرم المكي مباشرة من جهةالمَسْعَى“. ولأن العم عبدالعزيز تأخّر علىغير عادته في ذاك الفجر، فقد دَهمتهُ الحَيرة بين أن يبقى على رؤوس أبنائهكما عادتهوتضيع عليه صلاة الجماعة، أو أن يمضي ويترك الأمر لزوجتيه الصالحتين، شريكتيحياته وكفاحه: حصة الصبيحي، وقماشة الربدي، أن تتابعا أبناءهما، وتسدَّان مكانه بماتفعلان عادةوإن كانت رحمة الأمومة تأخذهما أحيانًا.

لم يتأخر في قراره؛ فانحاز ليكسبَ تكبيرة الإحرام في الحرم، وهُرع بخطًى حثيثةٍ يرومإدراك الجماعة، ليلقاهعند باب العمارةالعاملان لديه: “مَلكُوتالباكستاني، وعطيةالمصري ويرافقانه، وحالما وصلوا إلى بابالسلامبالحرم، إذا بالباب موصدٌ أمامهم إلامن فرجة بسيطة، وثمة رجال لم يألفهمالعمُّقبلًا، وهو الذي يؤدي كامل فروضه بالحرممن سنوات طويلة. كانوا واقفينبوجوهٍ صارمةٍعلى الباب، ويطردونبحزمٍكل منيريد دخول الحرم.

لم يستسلم العمُّ عبدالعزيز القاسم، وفي مشهدتراجيوكوميديقام يدافعهم، ويطلبمنهم أن يدخل الحرم، ولم يَدُرْ في خَلده أبدًا أن هؤلاء من رجالجهيمانالذين يحاولونوقتها احتلال الحرم، فمَرَق من خلال فرجة الباب الصغيرة إلى داخل الحرم، غير آبهٍ لهم،وتبعه العاملان معه، طمعًا في أجر الجماعة، ويُدركذلك العمُّ الوضيءالصلاة معالشيخ محمد السبيل، الذي أمَّ المسلمين في الفجر بأول يوم في القرن الخامس عشرالهجري؛ ذلك اليوم الذي لا يُنسى.

نعود للعائلةإذ غلب الكسل والنعاس على الأبناء، بما يحدث في تلك المراحل العمريةالصغيرة، فأدُّوا الصلاة سريعًا وعادوا إلى مهاجعهم يغطُّون في نومهم، قَطعه عليهمصوتُ خطبةٍ تدوِّي عبر مكبرات الحرم، بما لم يعهدوه أبدًا، ويَسرع بعضهم إلى شرفاتالعمارة يطالعون الحرم بأعين شبه نائمة، ليفيقوا تمامًا وهم يسمعون أحاديث المهديالمنتظر وعلامات آخر الساعة من خلال الخطبة المدوِّية التي ألقاها أحدهم (عرفوا فيما بعدأنه خالد اليامي)، وصوتٌ حادٌّ يقطع الخطبة بين الفينة والفينة، ويذكر أسماء (عباس بنجار الله، عيد بن إسماعيل، سيف بن ردن)، ويتكرَّر الصوت مرة أخرى، (عرفوا لاحقًا أنهصوت جهيمان): (يا رديني يا رديني) يُلعلع عبر مكبِّرات الحرم، طالبًا منهم التوجُّه إلىأماكن معيّنة، ثم يقول: (اجتمعواالبيعة بين الركن والمقام)، ويهدِّد بأن المسألة فيها(ضرب رشاشات)، ليُصدم الأبناء بأصوات الطلقات تدوِّي في فضاء الحرم، وأصواتٌتتداخل تشي بفوضى، جعلتهم وكأنهم في كابوسٍ فظيعٍ، لا واقعٍ يعيشونه!

ورغم حالتَي الصدمة والهلع فإنَّ الفضول استبدَّ بهم، ويصعد الأبناء من فورهم إلى سطحالعمارة؛ ليتحلَّقوا حول مذياع صغير من نوعسوني، كان متطورًا ويلتقط بثَّ موجاتالـإف إم، التي يستخدمها رجال الشرطة، والتي شُفِّرتْ بعد ذلك اليوم، فإذا بهم يسمعونعن اقتحامٍ واحتلالٍ للحرم؛ ليجفلوا، ويتملَّكهم الخوف على أبيهم، الذي لم يأتِ للآن،وبقيت العائلة في قلق لا تدري ماذا تفعل، ولم يُسَرّ عنها وتتنفَّسِ الصعداء إلا عندما رنَّهاتف البيت، وصوت والدهم الهادئ يطمئنهم أنه بخير، وأنه يتصل من مكتبٍ بـبدرومالحرم، وسيأتي إلى البيت قريبًا.

بعد ساعة كاملة، أو تزيد، إذا بالعمِّ عبدالعزيز يدخل عليهم، وتلاحقه أسئلة العائلة حولالذي حدث، وكيف استطاع الخروج؛ ليقول لهم: *”بَعدْ ما قِضتْ الصلاة، سِمعنا الشُوشرَه،وتِلفّتْ لَمْ مكان الإمام قدّام الكعبة، وأنا بالمصابيح الشرقية (مكان الأروقة)، عِرفتْ أن الأمورمِيبْ على العادة، ولا أشوف شرطة بالمكان أو عند الكعبة، وزادتِ اللجَّه بالمكرفون، ومِنْ يومسِمعتْ بداية حديثهم ومُقاطعتهم، تِقِلْ هُوشة، عِرفتْ أنهمْ  الجماعة اللي كنا نشوفهمبرمضان قبلْ، كانوا هم جماعة (المدينة)، وسِمعنا قبل إنْ  لهم نشاط إنكار بالمدينة، وجُونابالحرم هَالسنه اللي رَاحت  برمضان، وكانوا يِدُورن بالحرم، ويُلقون بعض الكلمات وهمْعَجلين، وبَديتْ أتلفتْ على من حولي إن كان أعرف منهم أحد، وجلستْ  أدوّر على مكانالشيخ (محمد السبيِّل) وينْ راح عن مكان الضول (الجمهرة) عند مُصلاَو، ومع كثرةالحجاج غاب عنا شوفته، وبديتْ أدوِّر بالمصابيح (الرواق)، وأتلفتْ أدوّره يمكن أشوفه، هُوْيِعرفنْ وأنا أعرفه، وبِينا معرفه، وأبَي أعرف مِنُه وشْ يِبي يِصير علينا داخلْ الحرم، ومالِقيته، وألمحْ زُول الشيخ صالح التويجري، رئيس للمحاكم الشرعية اللي تعرفونه بمكة، ولُهغرفتن ببدروم الحرم، مثل أئمة الحرم وبعض المشايخ وبعض الزمازمه وغيرهم، ومشيتْ أناواياه، ورُحنا لَمْ غرفته هناك، وكان بَهْ تلفون ثابت عنده، واتصلت عليكم منه“*

.

أما عن خروجه من الحرم، والأبواب موصدة، وأفراد الجماعة الباغية عليها، تمنع الناس منالخروج، فيقول العمُّ عبدالعزيز القاسم: *”الحُجاجْ أكثرهم عَجَم، ولا يِدرونْ وش الليصاير، وضَجُّوا من صَكّ البِيبان اللي كل ما راحوا لباب؛ لِقوه مُسكَّرْ، وهمْ يِبُون يطلعونلمساكنهم بعد ما قِضتْ الصلاة“*. ووقتها كان معظم هؤلاء الحجاج من القادمين بالبواخرويتأخرون عادة في المكوث بعد الحج، وأغلبهم من جنوب شرق آسيا، وليس مثل اليوم،معظم الحجاج يقدمون بالطائرات التي قلَّصت عدد أيام بقائهم في مكة بموسم الحج.

ويكمل العمُّ عبدالعزيز، فيقول: *”سِمعنا أن ذي الجماعة ما يِبون الا السعوديين، ويِطلبونمنهم مَحدْ يِطلع من الحرم إلا مبايعن المهدي، ومُنضَمن للجماعة، وما كانوا يُركزون علىالحجاج كثير، وشُفنا اننا نِفسِخ شِمغنا، ونِحِطهنْ بيدينا، عشان ما يعرف أننا سعوديين،أنا والشيخ التويجري، ودخلنا بوسط الحجاج عشان ما يُميزونا، ومِشينا مع الحجاجب(الخَلوة)، ورُحْنا معهم لَمْ (الدِحدِيره) اللي نعرف إنه مَطلع السيارات، اللي لَمْ باب(الفتح)، وطلعنا منه لخارج الحرم، و لا أحدْ وقفنا و الحمد لله*”.

العامل الباكستانيملكوتعاد إليهم في اليوم نفسه، بعد أن نفذ بدوره من إحدى نوافذالمسعى الكبيرة، بيد أنعطيةالمصري، لم يُسمع له أثرٌ أبدًا، ولكأنه سقط شهيدًابرصاص تلك الفئة الباغية.

ستقرؤون كيف عاشت العائلة الليلة الأولى على صوت إطلاق الرصاص المنهمر كالمطرعلى أسطح المنازل، وكيف انتقلترجالًا ونساءًعبر الأزقة إلى برحةالرشيديسيرًاعلى الأقدام، وصوت طائرات الـإف 15″ التي جعلت الأبناء ينبطحون على وجوههم فيجبلأبو قبيس، ووقوف بعض أبناء العائلة في ظهيرة اليوم الأولوجهًا لوجهأمامأحد أتباع جهيمان وبيده الرشاش، بعد انصرافهم من المدرسة المتوسطة، يرمقهم بتلكالنظرة المخيفة، وفرحة العائلة بتحرير الحرم، وكيف تصرَّفت وبادرت بروح وطنية إلىجنود الأمن الأبطال في قصة مشوّقة، ربما ينفرد الكتاب بذكر تفاصيل يوميات عائلة كانتمجاورة للحرم، عاشت أحداث فتنةجهيمانمن بدايتها، وشهدت ختامها.

تغريدات الاعلامي وكاتب صحافي:

عبدالعزيز قاسم

مبادروة ملتزمون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى