نلهم بقمتنا
الصهاينة قتلوا أمي أيضاً!  – منصة الحدث الإلكترونية
المقالات

الصهاينة قتلوا أمي أيضاً! 

د.يوسف الشريف

كلما تذكرت وقائع وفاة والدتي، والتي لم أخبركم بقصتها من قبل، ربما لعدم وجود مناسبة تستدعي وقوفي معكم على سيرتها الطيبة، رحمها الله، لكن اليوم رأيت أن لا مفر من الكلام عن كيفية قتل الصهاينة والدتي بتخطيط دقيق، ففي فجر أحد الأيام، قامت والدتي كعادتها لصلاة الفجر، ودخلت متوضأها كي تسبغ وضوءها الذي علمتنا إياه وعودتنا عليه.وبدأت الوضوء إلى أن جاءت لتغسل رجليها، لترفع قدمها إلى (المغسلة) لتغسلها تحت الحنفية، ثم نبح كلب جيراننا في هذا التوقيت تحديداً، فارتعدت فرائص الوالدة، رحمها الله، وسقطت على الأرض، ذعراً، ودخلت في غيبوبة متقطعة لمدة ثلاثة أيام، وفاضت روحها الطاهرة إلى بارئها، وكان هذا في عام 97 من القرن الماضي.لقد تعاضدت أفكار الصهاينة منذ قرون لكي تخطط لقتل والدتي الكريمة السخية ذات اليد المعطاءة، التي عمرت مساجد عدة في عدة دول، ماتت وهي في السبعين من عمرها، رحمها الله، بخطة دنيئة، نفذها أعوان الصهاينة من الإنجليز عندما صنعوا الحنفية، نعم «الحنفية» صنبور الماء، والذي سمي بالحنفية، بعد أن أدخلها السلطان محمد علي باشا في مصر لكي يتوضأ بها الناس، بدل الغسل الذي اعتادوا عليه بالأباريق.وعلى الرغم من معارضة بقية علماء المذاهب على استعمال صنبور المياه للوضوء، باعتباره بدعة في الدين، إلا أن الأحناف كان لهم رأي آخر، وبأن استعماله فيه تيسير للمسلمين، بعد ذلك أقره السلطان، ليعرف من بعد ذلك صنبور المياه بالحنفية، غير أن هذا التيسير يا سادة الأحناف، كان سبباً في وفاة والدتي، فهل كان لكم يد في هذا التخطيط المشين؟!، أم أنكم كنتم ضحية السياسة التي رسمها الغرب؟!ما زاد الطين بلة، عندما اجتهد الإنجليز في اختراع أحواض الغسيل، والتي توضع بالحمامات، أجلكم الله، لكي تحوي الماء الفائض من الغسل فتصرفه، فكانت هي الأداة التي استخدموها في مخططهم لتحقيق هدفهم بقتل أمي الحبيبة، وبآلة لا تدل على جريمتهم، فرحماك ربي، ارحم والدتي الغالية، فكم من يد تدنست بقتلها.عارض العلماء في بداية الأمر فكرة (الحنفية)، لكنها بعد ذلك أصبحت هي السائدة والمتعارف عليها، وتوارثته الأجيال إلى أن وصل إلينا، فما كان بدعةً بالأمس ودخيلاً على الإسلام، أصبح من ضمن ثقافة اليوم وموروثنا، فلماذا ما زلنا متمسكين بهذه الأفكار إلى يومنا هذا؟!، مع أنه بإمكاننا في ظل هذا التطور، أن نوجد مفاهيم جديدة تتناسب مع عصرنا، وإن كان القصد في رأي الأحناف رفع المشقة عن المسلمين، فلدينا اليوم الآلاف من الطرق التي نرفع بها المشقة في الكثير من أمور حياتنا، وهنا نتساءل، هل الإسلام يعارض الابتكار والتغيير؟!، أم أن المسلمين هم من يعارضونه؟!!بدأت رسالة الإسلام بـ «اقرأ»، وكثيرة هي الآيات القرآنية التي جاءت مُحفِّزة للتَّفكر والتفكير، وَوَرد مصطلح [التَّفكر] ثماني عشرة مرة في سور متعددة، وسياقات مختلفة، فالقرآن يحتوي على 6236 آية، وما يقارب الـ 1000 من بينها تتحدث عن العلم، وهذا كله دلالة واضحة لأهمية العلم والتفكر، وأهمية تناول الأشـياء تناولاً علمياً صحيحاً، لكن لعلنا نشعر اليوم بأن الإسلام كسلوك اجتماعي.وخطاب ديني لا ينتهج هذا المنهج، ولا يستحدث أفكاراً جديدة تنعم بها البشرية بكاملها، بل انحصرت ثقافاتنا وسلوكياتنا تبعاً للتقليد، وإن كان بيننا عاقلون ومفكرون فهم قلة قليلة، وإن حاولوا التغيير، فنحن أول من سيتصدى لهم، بحجة أن هذا ما وجدنا عليه أباءنا، فيضعفون وربما يتأذون، وبعدها يتراجعون.على مر التاريخ، من جاء بأي فكرة جديدة وجد له أعداء، ومن حاول التغيير، قام الكثيرون على محاربته، لعله يتنازل عن أفكاره، ومن كان قوياً وتحمل الإيذاء والأعباء، استطاع أن يوصل رسالته إلى العالم، وهذا ما حصل مع سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، خير البرية، فبداية دعوته تعرض للكثير من الأذى، وكان الرد بأن هذا ما وجدنا عليه أباءنا، لكن بمشيئة الرحمن وإصرار رسولنا الكريم وتحمله، وصلت الرسالة إلى الملايين، وتغيرت مسيرة أُمَّة.حالنا اليوم واضح للعيان، فالمسلمون لا يقدمون على التغيير والابتكار، وهذه المشكلة بالطبع لها أسباب عديدة، بخلاف (المخطط الصهيوني!!)، أيضاً بسبب تركيزنا على مفاهيم محددة في خطابنا الديني الموروث، ومن الأمثلة على ذلك، مسألة انقطاع عمل ابن آدم بعد موته، وإن وَجهتَ سؤالاً للجاهل قبل العاقل (ما الأعمال التي لا ينقطع بها عمل ابن آدم بعد موته؟)،سيجيب بقوله (صدقة جارية، وابن صالح يدعو له ووو..)، سيتلعثم بالكلام، ليتذكر أنَّ الثالث هو (علم ينتفع به)، مع أن هذا العلم، هو من أهم مقومات الابتكار التي نادى بها ديننا الحنيف، فلو أقدمنا على صنع أعمال أو إنجازات تنتفع بها البشرية، وسيجزينا الله عليها بالثواب بعد موتنا، بالتأكيد سوف تُقدِمْ عليها الكثير من العقول، وتصبح هدفاً في حياة الكثيرين.ولكن ما زال السؤال الذي يطرح نفسه، هل كان مصير أمي الموت بهذه الطريقة، لأنها خالفت ما وجدت عليه أباءها؟!، والأمر الذي أنا متأكد منه، أن أجدادنا، رحمهم الله، لم يدركوا أحواض الغسيل تلك، ولم يرفعوا أرجلهم إلى أعلى ليغسلوها، فممن تعلمت أمي ذلك؟!!ها أنا ذا اليوم أسير على خطاك يا أمي، وعلى الرغم من شدة الألم الذي يعتصرني في ظهري، فإني ما زلت أرفع قدمي لكي أغسلها تحت الحنفية والمغسلة، ويا خوفي أن يكون مصيري القتل، كما قتلك الصهاينة المجرمون، وما كان المقصود من تلك الجريمة قتلك أنتِ، وإنما قتلي أنا لتجفيف مداد قلمي، ثم هل كان كلب جيراننا أحد جنود الصهاينة الذي سخروه لينبح في ليلتها، ليقضي على درة القلب، وينتقم من عائلتي بإطفاء شمعتنا النيرة؟!

مبادروة ملتزمون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى