نلهم بقمتنا
سوالف مع مدخنين 1/2 – منصة الحدث الإلكترونية عرض الموقع بالنسخة الكاملة عرض الموقع بالنسخة الكاملة
المقالاتشريط الاخبار

سوالف مع مدخنين 1/2

كتب عبد الرحمن بن عبدالله اللعبون*

كنت برفقة صاحبي حامد إلى مستودعه في ميناء الدمام، وتركته كي أمارس رياضة المشي استفادة من الوقت ومحاولة أن أكون في قوائم المحافظين على نشاطهم ولو بشكل متقطع من أجل إنقاص بعض الشحوم، والمساحات في ذلك المكان واسعة وقليلة المركبات، وإن وجدت فهي لا تتعدى في العموم الشاحنات، وأثناء مسيري بين المستودعات شاهدت أربعة من الفلبينيين يتجاذبون أطراف الحديث، وكعادتي في الدخول العرضي مع الناس وقفت معهم وألقيت التحية عليهم باللغة الفلبينية (التقالوق) ….

– (ما قاندانق قابي) مساء الخير

فجاءتني الردود بابتساماتهم المعهودة حين حييتهم بلغتهم قائلين

– ما قاندانق قابي بو ….

والبو الأخيرة هذه كلمة تقال من باب الاحترام والتقدير، بعدها توجهت إلى أحدهم، وكان يمسك بين أصبعيه سيجارة مشتعلة، مخاطبا إياه باللغة الانجليزية ما معناه باللغة العربية….

– كم صار لك بالسعودية

– 7 سنين

– 7 سنين عمر طويل، أكيد شعرت أثناء هذه المدة بالشوق إلى بلدك وأهلك

– بالتأكيد، ولكن أنا على تواصل مستمر معهم

– عندك أولاد…؟

– نعم

– كم عددهم…؟

– ولد وبنتين

– وأنت أكيد تحملت معاناة هذه الغربة وألم الشوق لهم وتعب العيش من أجل إسعادهم وأن توفر لهم مستلزماتهم وطيب الحياة…؟

– نعم، فالمعيشة مكلفة هناك

– هل تحب أبناءك…؟

– نعم أحبهم

– ولكني لا أظن أنك تحبهم

– لماذا تقول ذلك…؟

– لأن هذا هو الواقع

– لا، أنا أحبهم جدا

– وهل هم يبادلونك الحب…؟

– بالتأكيد

– وهل تريد سعادتهم…؟

– نعم

– أم تريد تعاستهم وأحزانهم…؟  ولكن الواضح أنك تريدهم أن كونوا حزينين وأنك تسعى كي تملأ حياتهم بالشقاء

– أنا لا أعلم عن ماذا تتكلم، او لماذا تقول لي هذا الكلام

– أنت تقول أنك تجمع المال من أجلهم، وتريد أن يكونوا في سعادة وطمأنينة

– هذا صحيح

– ولكني أراك تدخن وهذا خلاف ما تقول

– ماذا تعني…؟ وما علاقة هذا بذاك…؟

– هل تظن أنهم سيكونون في قمة السعادة عندما يرونك مريضا…؟

– بالتأكيد لا

– أنت الآن تدخن مع علمك أن التدخين يجلب لك الكثير من الأمراض، وعندما تنتهي مدة بقائك هنا ستعود إليهم محملا بالآلام والأوجاع، فهل يسرك أن يراك أبناؤك في هذه الحالة…؟

– لا… لا يسرني

– وهل تظن أن هذا أمر طبيعي عندهم أن يروك كذلك…؟

– لا، بل سيحزنهم هذا الأمر

– كما أنك أتيت هنا لجمع المال من أجلهم، وها أنا أراك تدفع المال لبائع التبغ وتحرم أبناءك منه، أليسوا هم الأحق بذلك…؟ حوّل قيمة ما تصرفه على السجائر إلى عملة بلدك وسترى أن ما تصرفه يعادل راتب عامل هناك.

وجدت منه القبول لما قلت ولم أرغب في الزيادة فودعتهم ماض في طريقي.هذا النقاش دار بيني وبين شخص آخر من الجنسية الفلبينية كذلك في الدوحة (قطر) على الكورنيش، ولكن هذه المرة قلت له اعزم على ترك الدخان من صباح الغد، ففاجأني بقوله: بل سأتركه الآن، ورمى السيجارة من يده ودعس عليها بحذائه قائلا أنه لن يشعلها ثانية.

*مدرب وناشط اجتماعي

 

 

مبادروة ملتزمون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى