الدولية

كيف تتخلص من التسويف في حياتك من خلال إدارة مشاعرك قبل إدارة وقتك؟

يمكنني القول إنني – مثل كثير من الكُتّاب الآخرين – خبير مخضرم في التسويف والمماطلة . فما أن يكون عليّ الانتهاء من مهمة ما في وقت بعينه، حتى أجد نفسي منهمكا في مشاهدة مقابلات سياسية لا معنى لها، أو متابعة مقاطع مصورة تتضمن أبرز لحظات بعض مباريات الملاكمة

وفي أسوأ الحالات، لا تتعدى عواقب انغماسي في هذه الأنشطة سوى أن أشعر بمس من الجنون قليلا، وأقول لنفسي: “يجب عليك أن تعمل. ما الذي تفعله إذا بحق السماء؟”

وإذا اتبعنا أسلوب التفكير التقليدي، الذي لا تزال تتبناه الكثير من الجامعات والمراكز البحثية في مختلف أنحاء العالم في التعامل مع مسألة المماطلة والتسويف، سنجد أن تفسير حدوث ذلك، يتمثل في أنني – وغيري ممن يماطلون – نعاني من مشكلة في إدارة الوقت. وأنني – من هذا المنظور – أعجز عن أن أُقّدر بدقة الفترة التي يتطلبها إنجازي للمهمة المنوطة بي، وأنني لا أولي كذلك اهتماما كافيا، للوقت الذي أهدره في تصفح الإنترنت لأغراض لا تتعلق البتة بالعمل

ووفقا لتلك الطريقة في التفكير أيضا، لا يحتاج الكف عن المماطلة، إلا إلى وضع جدول زمني أكثر إحكاما لأداء المهام المنوطة بالمرء، وكذلك التحكم بشكل أكبر في الوقت المتاح له لإنجاز ذلك

لكن علماء النفس باتوا يرون الآن – وعلى نحو متزايد – أن هذه النظرية خاطئة. من بين هؤلاء تيم بايتشيل من جامعة كارلتون الكندية ومساعدته في أنشطته البحثية فيوشيا سيرويس من جامعة شفيلد البريطانية. إذ يقول الاثنان إن المماطلة ترتبط بعدم القدرة على التحكم في مشاعرنا والسيطرة عليها، لا بكيفية إدارتنا للوقت. فربما تكون المهمة التي نُرجئ إنجازها مزعجة بالنسبة لنا، كأن تكون مملة أو شديدة الصعوبة. أو قد تتمثل المشكلة، في أننا نشعر بالقلق من إمكانية أن نُمنى بالفشل فيها. ولكي نبدد هذا الشعور بالانزعاج – ولو لفترة مؤقتة – نُؤْثِر الشروع في القيام بشيء آخر، مثل مشاهدة مقاطع الفيديو

وقد أدى تبني هذه النظرة المختلفة في التعامل مع مسألة المماطلة، إلى فتح الباب أمام ظهور طرق جديدة لتقليص مرات حدوثها. ومن شأن اتباع هذه الطرق مساعدة المرء على تحسين الأسلوب الذي يؤدي به عمله

ويقول بايتشيل في هذا الإطار إن تغيير الإنسان لطباعه بمحض إرادته “ليس بالشيء البسيط. فالأمر هنا يمضي عادة تبعا للقول المأثور القديم: خطوتان إلى الأمام وخطوة إلى الخلف”. لكنه يستطرد بالقول: “رغم كل ذلك، أنا واثق من أن بمقدور الجميع تعلم كيفية الكف عن التسويف والمماطلة”

في مطلع العقد الأول من القرن الحالي، نشر باحثون في جامعة كيس وسترن ريزرف بولاية أوهايو الأمريكية، إحدى بواكير الدراسات الاستقصائية، التي اسْتُوحيت منها فكرة وجود علاقة بين المماطلة والتحكم في المشاعر

ففي البداية، دفع الباحثون أفراد عينة الدراسة للشعور بالانزعاج، عندما طلبوا منهم قراءة قصص حزينة. وتبين أن ذلك أدى إلى ازدياد ميلهم إلى المماطلة في القيام بما هم مكلفون به، وذلك من خلال الانهماك في أنشطة أخرى مثل حل الألغاز وممارسة ألعاب الفيديو، بدلا – مثلا – من الاستعداد لاجتياز اختبار ذكاء، كانوا يعلمون أنهم بصدد الخضوع له

وأظهرت دراسات لاحقة أجراها فريق الباحثين نفسه، أن تدني الحالة المزاجية، يزيد النزوع للمماطلة حال وجود شرطين، أولهما توافر أنشطة ممتعة يمكن لأفراد العينة الانخراط فيها للتلهي بها عن القيام بالمهام الأصلية الموكولة إليهم. أما الشرط الثاني، فهو أن يعتقد أفراد عينة البحث أن من شأن القيام بهذه الأنشطة، تحسين حالتهم المزاجية

وتبدو هذه النظرية منطقية. ففي حالتي مثلا، لا أماطل في إنهاء ما أنا مُكلف به، لأنني لا أُقدّر بدقة الوقت الذي أحتاج إليه لإنجازه، فأنا أعلم أنه يتعين عليّ – على سبيل المثال – الشروع فيه فورا. كما لا تعود مماطلتي كذلك، لكوني لم أختر الوقت المناسب لمشاهدة مقاطع الفيديو، التي أدت لتأخير إنهائي لعملي. إذ أنني لا أريد مشاهدتها في واقع الأمر، بل انجذبت إليها بهدف تجنب الشعور بالانزعاج، الذي سيترتب على شروعي في الانهماك في العمل

وإذا استخدمنا هنا مصطلحات علماء النفس، يمكننا القول إنني أماطل لكي أحقق “تحولا ينطوي على الشعور بمتعة” على المدى القصير، على حساب تحقيق أهدافي بعيدة المدى

في الوقت نفسه، تساعد النظرية الخاصة بوجود أسس نفسية للمماطلة، على تفسير أسباب بعض الظواهر الغربية التي شهدناها مؤخرا، مثل الهوس بمشاهدة المقاطع المصورة للقطط على شبكة الإنترنت، والتي حظيت بمليارات المشاهدات على الـ “يوتيوب”

فقد أظهرت دراسة استقصائية أجرتها الباحثة جيسكا مايريك من كلية الإعلام بجامعة إنديانا، أن المماطلة تشكل أحد الدوافع الشائعة لمشاهدة تلك الفيديوهات، وأن القيام بذلك يعزز الحالة المزاجية الإيجابية. وأشارت الدراسة إلى أن المتصفحين شاهدوا تلك المقاطع لكي يشعروا بأنهم في حالة مزاجية أفضل، وذلك عندما يكون من الواجب عليهم فعل شيء آخر، أقل إمتاعا

وسلطت الدراسة، التي أجرتها مايريك، الضوء كذلك على جانب آخر يتعلق بالارتباط بين العجز عن التحكم في المشاعر والمماطلة، إذ تبين أن الكثير من أفراد عينة هذا البحث، قالوا إنهم شعروا بالذنب بعدما شاهدوا فيديوهات القطط تلك. ويوضح ذلك كم يمكن أن تصبح المماطلة استراتيجية عاطفية مُضللة، فهي قد تفضي إلى الشعور بالراحة على المدى القصير، بينما تقود في واقع الأمر إلى إرجاء المشكلات ومراكمتها، كي يواجهها المرء فيما بعد

ففي حالتي مثلا، يؤدي تأجيلي للقيام بعملي، إلى أن أشعر بمزيد من الضغوط والتوترات في نهاية المطاف، ناهيك عن تراكم مشاعر الذنب وخيبة الأمل بداخلي

لذا فما من عجب، في ما أظهرته الدراسة التي قادتها الباحثة فيوشيا سيرويس – وتحدثنا عنها سابقا – من وجود ارتباط بين المماطلة المزمنة، والتي تتمثل في النزوع للمماطلة والتسويف بشكل منتظم وبشكل بعيد المدى، وحدوث عواقب سلبية على صعيديْ الصحة البدنية والنفسية، بما يتضمن الشعور بالقلق والاكتئاب، والإصابة بحالات مرضية، من قبيل نزلات البرد والإنفلونزا، بل وربما يصل الأمر إلى المعاناة من أمراض أكثر خطورة، مثل تلك التي تصيب القلب والأوعية الدموية

وترى سيرويس أن العواقب السلبية التي تترتب على المماطلة تنجم عن عاملين؛ أولهما يتمثل في التوترات النفسية التي يشعر بها المرء بسبب إصراره على إرجاء إنجاز المهام والأعمال المهمة وبفعل فشله في تحقيق الأهداف المطلوبة. أما العامل الثاني، فيرتبط بأن التسويف يشمل في أغلب الأحيان، تأجيل القيام بأمور حيوية ذات صلة بالصحة، مثل أداء تدريبات رياضية، أو الذهاب إلى الطبيب عند الحاجة

وتقول الباحثة في هذا الشأن: “من المعروف جيدا أن للضغوط المرتفعة والسلوكيات السلبية ذات الصلة بالصحة تأثيرا تراكميا على الحالة الصحية للمرء؛ من شأنه زيادة خطر التعرض لعدد من الأمراض المزمنة والخطيرة، مثل أمراض القلب والسكري والتهاب المفاصل، وحتى السرطان”

ويعني كل ذلك، أن التخلص من عادة مثل المماطلة قد يُخلّف تأثيرا إيجابيا كبيرا على حياة كل منّا. وتقول سيرويس إن الدراسة التي أجرتها تفيد بأن “تقليل النزعة إلى المماطلة المزمنة بدرجة واحدة (على مقياس للمماطلة يتألف من خمس نقاط) ينطوي كذلك على إمكانية تقلص خطر معاناتك من متاعب صحية في القلب بنسبة 63 في المئة”

ولعل من الإيجابيات المترتبة على النظر إلى المماطلة باعتبارها مشكلة يمكن حلها عبر التحكم بشكل أفضل في المشاعر والعواطف، أن ذلك يوفر لنا مفاتيح مهمة، تساعدنا على معالجة هذا الأمر بأقصى قدر ممكن من الفاعلية

وفي هذا الشأن، يبدو من المناسب بشكل خاص، السعي لمواجهة النزوع للمماطلة، عبر تطبيق أسلوب يستند إلى نظرية في الطب النفسي تُعرف باسم “العلاج بالقبول والالتزام”. ويُعلِّم هذا الأسلوب من يلجؤون إليه، فوائد تحليهم بـ “المرونة النفسية”، ما يعني جعلهم أكثر قدرة على التعامل بكفاءة مع الأفكار والمشاعر المزعجة وغير المريحة، دون السعي لتجنبها عبر الهروب من اللحظة الراهنة

كما يؤكد ذلك الأسلوب أهمية أن يرتب المرء خياراته وأفعاله، بحيث يعطي الأولوية لتلك الخيارات والأفعال، التي تساعده على الاقتراب من الأشياء، التي يراها أكثر قيمة من غيرها في الحياة

ويرتبط بهذا الأمر أيضا، ما كشفت عنه دراسات حديثة أظهرت أن الطلاب الذين يماطلون بشكل أكبر في إنجاز ما يُناط بهم من مهام، يحصلون على نقاط أعلى، في الاختبارات الخاصة بالكشف عن مدى الاتصاف بـ “المرونة النفسية”. ويعني ذلك أن تصرفات أشخاص مثل هؤلاء، تكون محكومة بمشاعرهم وردود فعلهم النفسية – مثل شعورهم بالقلق أو خيبة الأمل – لا بسعيهم لتحقيق القيم التي يتطلعون إليها في الحياة

وكشفت الدراسات كذلك عن أن من تبين أنهم يتصفون بـ”عدم المرونة النفسية”، أبدوا موافقتهم – خلال البحوث التي خضعوا لها – على عبارات من قبيل “أخشى من مشاعري” و”تجاربي وذكرياتي المؤلمة تجعل من العسير عليّ أن أعيش حياة أشعر بأنها ذات قيمة”. في الوقت نفسه، يحصل هؤلاء الأشخاص على نقاط أقل، في الاختبارات التي تبحث مسألة قيام المرء بـ “أفعال ينخرط فيها بجدية ودون تهاون”، من عدمه

ويتحدد من خلال هذه الاختبارات، مدى قدرة الإنسان على المثابرة على القيام بتصرفات وتبني سلوكيات، من شأنها تمكينه من تحقيق أهدافه. ويميل من يسجلون نقاطا أقل في هذا الاختبار، للموافقة على عبارات من قبيل “لا أكترث بمواصلة التقيد بالتزاماتي إذا شعرت بالحزن أو الكرب، أو ثبط أحدهم من عزيمتي”

ويؤدي خضوع المرء لأسلوب “العلاج بالقبول والالتزام”، إلى تدريبه على تعزيز مرونته النفسية (عبر جعله في حالة تنبه ويقظة كاملتيْن وتأمل واعٍ مثلا)، كما يقود إلى زيادة الأفعال التي ينخرط فيها بجدية ودون تهاون (من خلال إيجاد طرق مبتكرة تُمَكِنّه من الوصول إلى أهدافه المرتبطة بقيمه العليا في الحياة). وقد كانت الدراسات الأوليّة، التي أُجريت على عينة من الطلاب في هذا الإطار، واعدة. إذ أثبت استخدام أسلوب “العلاج بالقبول والالتزام” – في إحدى التجارب – أنه أكثر فاعلية على المدى البعيد، من اللجوء إلى أساليب العلاج المعرفي السلوكي

الآن كيف يمكن لنا تطبيق هذه الدروس المستفادة، للتخلص من المماطلة في حياتنا اليومية، في ضوء أنه ربما لن يتسنى للكثيرين منّا، الالتحاق قريبا بدورة لمعالجة تلك المشكلة عبر الخضوع لأسلوب “العلاج بالقبول والالتزام”، وأننا حتى قد نسوف ونماطل في الاستفادة من فرصة دورة كهذه، إذا واتتنا من الأصل؟

في هذا الصدد، يقول الباحث تيم بايتشيل: “عندما يقر المرء أخيرا بأن المماطلة أمر لا يتعلق بالمعاناة من مشكلة في إدارة الوقت، وإنما مسألة ترتبط بتنظيم المشاعر والعواطف والتحكم فيها، فسيكون على استعداد لتبني نصائحي على هذا الصعيد” وتطبيقها

وهكذا ففي المرة المقبلة، التي تجد نفسك فيها تميل إلى المماطلة والتسويف، يجدر بك أن تنصت إلى ما ينصحك به بايتشيل، بأن تركز تفكيرك على أمور بسيطة مرتبطة بالعمل الذي كُلِفت به، من قبيل “ما هي الخطوة التالية التي يتعين عليّ القيام بها على صعيد هذه المهمة، إذا كنت بصدد الشروع في إنجازها الآن؟”. فمن شأن فعل ذلك – كما يقول بايتشيل – إبعاد ذهنك عن التفكير في مشاعرك – التي قد تكون سلبية – والتركيز على الأفعال سهلة التنفيذ

ويختتم الرجل حديثه قائلا: “تُظهر دراساتنا، وكذلك مجريات حياتنا اليومية، بوضوح شديد، أننا نصبح عادة قادرين على مواصلة القيام بمهمة ما، بمجرد شروعنا في تنفيذها. ما يعني أن الإقدام على البدء في العمل الفعلي هو كل شيء”

مبادروة ملتزمون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى