المقالات

توقفوا عن القزع فأنتم قدوة

 

بقلم✍ سالم جيلان

القدوة الحسنة في كل مكان وزمان يُمثِّلها شخص عاقل، متزن ويتصرف كما يجب قولًا وفعلًا من خلال سلوكياته التلقائية التي لا يتكلفها أو يتصنعها عند تواجده في مكانٍ معين أو عند لقاء شخصيةٍ ما وإنما تتجسد تلك التصرفات السلوكية نتاج غرائز فِطرية نمت وازدادت رونقًا وجمالًا أثناء حياة هؤلاء الأسوياء الذين يشكلون نماذج حيَّة في بيئات مختلفة جعلت منهم قدوات يُحتذى بهم وتُحاكى تصرفاتهم عبر العديد من الأشخاص المحيطين بهم والمخالطين لهم…

للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات كان ولا يزال وسيبقى القدوة الحسنة والمُثلى هو خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام والذي جعل فينا وبيننا من السلوكيات السليمة منهاجًا واضحًا وسليمًا كيف لا وهو الذي وصفه رب العزة والجلال بأنه على خُلقٍ عظيم؟

وعند موته عليه الصلاة والسلام تركنا على المحجّة البيضاء ليلها كنهارها كما قال في خطبة الوداع قبل أن يغادر الحياة الدنيا إلى البارىء الأعلى حيث سنّ السنن ونشر الموعظة الحسنة بين أصحابه وتناقلها التابعون وتابع التابعين حتى وصلتنا وأصبحت مناهج تعليمية تستنير بها العقول فتدركها وتنهج نهجها في مجالات مختلفة من حياتنا اليومية…

الحديث عن القدوة والاقتداء بابه واسع ومداهُ طويل وما أود الوقوف عليه في هذا المقال جانب مهم يتمثل في القدرة على تجسيد القدوة الحسنة بالتحكم في أقوالك وأفعالك داخل وخارج إطار مجتمعك أو بيئتك دون ميل أو انحراف قد يجعلك في مواقف محرجة أو يصيبك التصغير والتحقير ممن ظنّ بك يومًا كل خير وناطح بسلوكياتك السحاب!!!

لقد كانت القدوة شخصية بسيطة في مجتمع صغير ومحدود ولكنّ نتائجها كبيرة من خلال الأب أو الأم، الجد أو الجدّة، خال، عم أو شقيق وبعد ذلك المعلم أو الجار وبعد هؤلاء جميعًا يأتي الصديق أو الصاحب الساحب والذي يؤثر تأثيرًا بالغًا فيك طبعًا هذا التدرج تفرضه طبيعة الحياة ودورتها عند البشر مالم تطرأ عوارض ومتغيرات تنشأ عنها حالات شاذّة عن التدرج أعلاه في حياة شخصٍ ما جعلت منه عُرضةً للاقتداء بآخرين خارج تلك المنظومة آنفة الذِكر…

هذه المقدمة قد يراها البعض مملة ومُبالغ فيها عندما يصل لقراءة الموضوع الأصلي ولا يزعجني هذا الأمر فلدي من رحابة الصدر مايتسع للنقد مهما امتدت مساحته وقد تعمدت سرد مقدمةٍ كهذه لإيصال موضوع القدوة الحسنة والسيئة كما يجب لأذهان القارئ والمتابع وذلك للأهمية القصوى لهذا الأمر الذي أتطرق فيه لتأثير المشاهير والشخصيات البارزة في المجال الرياضي بالناشئة والأجيال القادمة من الشباب حيث نعلم جميعًا بأننا لسنا في العصور القديمة التي كانت تحتوي على مجتمعات صغيرة ومتباعدة وكل بلد له تقاليده الخاصة وطقوسه المحددة التي يمارسها قاطنوه ولكننا أصبحنا نعيش في قرية عالمية انفتح قاصيها على دانيها ومن خلال موقع واحد تستطيع مشاهدة أحداث العالم وتقلباته في لحظات كما يمكنك نشر المعلومة في ثواني بغض النظر عن صحتها من عدمها وفي ظل هذه الطفرة الإلكترونية التي تجتاح العالم أجمع تبرز العديد من الشخصيات العامة والخاصة ويتفاوت الأثر الذي تتركه حسب أعداد المتابعين والمتابعات ويبقى أكبر الأثر في هذا الزمن لأولئك الذين يشغلون مساحات كبيرة من تفكير الناشئين والشباب وهم مشاهير الرياضة الأكثر شعبية في العالم من لاعبي كرة القدم حيث يتصدرون مواقع التواصل الاجتماعي والبرامج التلفزيونية وقد انشغل بهم الجميع وعن تنقلاتهم بين الأندية وصفقات شرائهم بمبالغ مليونية يسيل لها اللعاب كما تتصدر صورهم المواقع الإلكترونية والصحف والمجلات والشاشات وبذلك يصبحون مهوى أفئدة العشاق ويلفتون أنظار المتابعين من خلال ملابسهم وتقليعاتهم في قصات الشعر حتى أصبح العديد منهم يتصدر الإعلانات التجارية للكثير من السلع.

هنا نتوقف قليلًا وللوهلةِ الأولى يتبادر لذهن كل حصيفٍ عاقل بعض الأسئلة ومنها :

كيف ينظر الفتيان والشباب لقصّة أو تسريحة شعر هذا اللاعب؟ وهل يرون فيه القدوة؟
وكم شخصًا يقوم بتقليده؟

ماكتبته في مقدمة المقال تشخيص لحالة هذا اللاعب أو ذاك فهو وغيره حتمًا قد عاشوا في إحدى البيئات التي تركت فيهم أثرًا كبيرًا وعاش حولهم أشخاص تأثروا بسلوكياتهم وقد يكونوا على غير ذلك من حالات متعددة لكنهم بتيسير الرحمن وصلوا لما وصلوا إليه وأصبحوا مشاهير وقدوات دون عناء وقدرهم أن يكونوا محط أنظار الجميع لكنّ البعض أو الغالب منهم في لحظات من الزهو والخيلاء لم يكترثوا بسلوكياتهم أو تصرفاتهم ولا بأشكالهم وكيف تبدو للآخرين فقد انشغلوا بأشياء أخرى وربما أن فيهم من يقتدي ويُقلِّد آخرين دون أن يهتم بما يتركه من الأثر والتأثير في مجتمعه وبيئته!!

إنني أكتب هنا عن أمر يؤرقني ويشغلني كما يؤرق ويُشغل آخرين غيري بل كثيرين من مجتمعاتنا حتى أن فيهم من طالبني وشجعني على الكتابة في هذا الأمر ألا وهو قصات وتسريحات الشعر التي نراها على رؤوس لاعبي كرة القدم في أرجاء وطننا العربي الكبير التي يقلدون فيها بعض لاعبي الغرب ويُحاكيهم فيها شباب وفتيان الأمة العربية في كل مكان وقد يذهب البعض منهم ومن المتابعين إلى تبرير هذا الأمر كونه ” حرية شخصية” وهنا نقول بملئ الفم ( تبًّا للحرية الشخصية) التي تجعل منك مُقلدًا تابعًا لثقافةٍ بائسة وناقلًا لصفةٍ ذميمة بين الأجيال.

كل الأسوياء والعقلاء في الوطن العربي الكبير يرفضون هذه التقليعات رفضًا قاطعًا وينبذونها بل ويخجلون من أصحابها وأراهن على ذلك والشواهد عديدة وأقرب مثال عندما تكون في مناسبة اجتماعية عامة كحفل زفافٍ مثلًا سوف تلاحظ جانبًا من الناس يتقززون وينفرون من السلام أو الجلوس مع شخصٍ صاحب قصة شعر مُخجلة مهما كانت شهرته وفي المقابل قد تجد من السذج من يتقبله ويطارده للتصوير أو أخذ توقيعه فالعقول متفاوتة في هذا ولكن تبقى الموازين السليمة هي الأرجح.

لقد عانت مجتمعاتنا كثيرًا من هذه النوعية ولا زالت تعاني لأن ظاهرة قصات الشعر تفشت وزادت بشكلٍ لافت وعلى نطاقٍ واسع حتى أصبحنا نتفاجأ بلاعبين كانوا على قدرٍ من الكفاءة وعلى خُلقٍ عالٍ لكنهم مؤخرًا سقطوا في وحل هذه التقليعات والقصات والتسريحات تأسيًا بقرناء لهم في المجال الرياضي وتحديدًا في ملاعب كرة القدم.

قبل سنوات شاهدنا منعًا واضحًا وصريحًا لهذه الظاهرة الدخيلة على شعوبنا ومجتمعاتنا في ملاعب كرة القدم حتى أن الحكام كانوا يمنعون دخول أي لاعب صاحب قزع لأرضية الملعب بل أن الحكام يقومون بقص شعر اللاعب قبل نزوله إن استدعى الأمر ومع مرور الوقت أصبح الأمر عاديًا جدًا فهل من عودة لما كانت عليه بيئة الملاعب من منع هذه القصات التي تعلوا رؤوس اللاعبين وتُحاكيها عقول شبابنا وفتياننا في تقليدٍ أعمى اقتداءً باللاعبين؟

كلنا أمل بأن تتلاشى هذه الظاهرة التي شوهت الملاعب وأساءت لممارسيها وجعلتهم عُرضةً للتندر باعثين على التقزز والاشمئزاز.

 

مبادروة ملتزمون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى