أخبار منوعةكيف تكتب رواية

الفصول الأربعة

الفصول الأربعة

بقلم الروائية : ثريا جابر

نهض من سريره كعادته فجلس على المرحاض وهو يرمق أمه بنظرات غلفها الخجل الفطري ومع كل صوت يصدره كانت تتظاهر أنها منهمكة في إعداد السفرة ، تكابد ضحكة امتدت إلى شفتيها وتتوارى في هذا الغرفة الذي لا تتجاوز مساحتها المتر ونصف المتر ، مكان خالٍ من الإضاءة ،ضعيف التهوئة وذات رطوبة عالية ورائحة كريهة، تجلس أمام السفرة الممدودة على الأرض التي تحاذي قطعة إسفنجية قاسية اسمتها “سرير” تتكوّز عليها ليلا مع طفلها ، تصبُّ الماء في أكواب معدنية زيّنت مقابضها بقطعة من خمارها الأصفر، اللون الذي يحبه “نورس” والذي يذكرها بشمس الصيف الحارقة .
يسأل الطفل : ماما هل هذا الصباح..؟ تنظر إليه بنظرة تعانق روحه..نعم أتى لأنك نمت..وببضع خطوات جلس في حجر أمه ليتناول طعامه، يغمس قطعة الخبز في الماء ويبتلعها بسرعة ، دنت منه كأنها هو بصوتها الهادئ لتشعره أن كل شيء على ما يرام . “أتريد المزيد..؟” أجاب بفرح: نعم ماما.. نصفها يكفيني..” وهو ينظر إلى رغيف أمه، رمقته بابتسامة حانية ،وبعد برهةٍ قام بالركض لتغمض عينيها تجاريه وتتظاهر بالدور الطبيعي لأي أم فتبحث عنه ، لم يجد مكانًا يختبئ به سوى خلفها، وكان لا يوجد شيء ينغص صفوهم ..لتخرّ باكيةً دونما أي إنذار ..تجهش بالبكاء ليتوقف الصبي مناديًا “ماما..” لتغالب دموعها بابتسامة تفردها على محيّاها “لقد أمسكت بك..” تخدع الوقت حتى تصدق ، جثت على ركبتيها لتلتقط حجرًا أبيض تحاول أن تخربش على الجدران الرمادية، تنظر إليه وتضحك والدموع في محاجر أهدابها، ترسم على الجدار دوائر متناثرة باللون الرمادي و رجل ثلجٍ بعينين كبيرتين تغطي نصف وجهه وأنف معوّج… تناوله الحجر ليصنع الطفل رجل الثلج أكثر غضاضة من رسمتها ، لتقفز.. وتُفزع الطفل.. “لقد خرجتُ من الجدار..!!!” كانت أصوات ضحكاتهم أجراسًا ترنُّ في أرجاء المكان ، وتهدئ من خوفها ..لتكمل دائرة ضخمة وخطوطًا طويلة تمتد إلى الجدار الآخر اسمتها “شمسٌ مشرقةٌ” تخترق الحائط تتسلل بخفة لتدفئ خيالها “ما هذا ماما..؟” تجيبه بابتسامة استعارتها من زمنها :”إنه الصيف..” ،و بحيرة ” طبرية” وسورٌ على حقل الزيتون وأشجار الغار.. حتى الحسون على غصن الأرْز بجواره علامات موسيقية تتدرج في مسامعهم ، رسمت كل ما بقي من متحف الذاكرة.. دون غمغمات البؤس، انهارت بين أركان الكون وفصوله الأربعة التي دارت بها في هذا المكان ولكن على طريقتهم ..أتت في ربيع عمرها وقد بدأت تتساقط كأوراق الخريف المتلفة ، اقترب منها: “ماما..!” وبكفه الصغيرة يرد بعض خصل شعرها البيضاء الطويلة والتي توازي طول شعره الأسود، ففي الغرفة يمنع استخدام الأشياء الحادة أو أي شيء يعجّل بالرحيل ، كابدت الألم بابتسامة لتعود إلى دور السعادة حتى لا تهدر خوف تلك الروح الصغيرة؛ وحلقت به وهي تلمس خده الزهري الطريّ كحلوى القطن “ماذا تعرف عن العالم يا عصفوري الصغير أنت سجين في هذه الزنزانة ، فمن ظلمات رحمي إلى ظلمات الحياة!! ” سكت مطولًا ليستوعب تلك الكلمات: “ماما لن تتركيني ..صح؟! ” لم تتمالك نفسها اختطفته من خوفه وغرسته في صدرها احتضنته حتى أحسّت بنبض قلبه الصغير وانهالت عليه بقبلات كمطر الشتاء الغزير :
“_محال أن أفعل ذاك.. محال يا حبيبي!!”
وبجسدٍ مثقل.. بفجوة تسلّل منه شقاء العالم وبؤسه ، حملته للمرة المليون وإلى اللانهاية بين ذراعيها يطوّق رقبتها بذراعيه النحيلتين وكأنها كل العالم وكل ما يهمه .. تأخذه إلى السرير وتحكي له عن جحا، والشاطر حسن.. عن قلاع الأساطير و عن حكايات الشرق الساحرة حلّقت بخيالها إلى أعالي “الأورال” والأقزام وقوس قزح بألوانه السبعة ،جالت أرواحهم فوق تلك الجدران بمتنفس حُر كما تفعل رياح الربيع ببتلات الأزهار .

 سمعت أصيص الباب الصدئ لينقطع متنفسهم الوحيد وتدفع ابنها إلى الخزانة، يهرب كجرذ مع لعبته الأرنب الذي صنعته أمه من قطعة قماش قديمة.. أغمض جفنه الأيسر ليرى المشهد من شق في باب الخزانة .. يدخل ذو السيقان الثلاث كما أسماه ساقان طويلتان، بزيّ الجيش وببسطارٍ طويل ، وعصا من الخشب يرفع بها ذقن أمه المتقرفصة في الزاوية تشبك أصابع يدها متوسلة وعيناها تحدقان بخوف إلى الأعلى ، تفوّه بكلمات لا يعيها الطفل ولا يفهم ما يقوله الجندي ليعود بدلو ماءٍ ويضرب بها الحائط ويصرخ ..! نهضت بحنق مشاعرها المحرقة لتتساقط دمعًا على الجدارن الأربعة ماسحةً كل الفصول، يرمي الدلو عليها ويركلها حتى تدحرجت كقطعة صوفٍ خفيفة ، يطبق بجفنه فاغرًا فاه الصغير: “ماما..؟!!!” ليعود ذو الساق الثالثة برميها بدلو مرة أخرى، لتتحرك تلك الجينات الشرقية ويدق ناقوس عروبته ليقفز على الجندي ويعضّ رقبته ، كان اللقاء الأول لهما ،فيمسك به من عنقه ويرمي به على الأرض وقبل أن يركله تصدت له بباقي جسدها المرضوض ، كان الوقت بطيء عليهما وبعد عاصفة من العنف ..غادر.. تفتتت قدم الصبي وخُلعت بقية أسنان الأم، وفي بركة من الدم حاولت النهوض لتراه ممددٌ دون حراك.. تستمع إلى قلبه النابض وتحمله وتتوسل أن يفتح أجفانه وبعد ثانيتين أفاق ودمعه منساب على وجنتيه يتألم: “ماما..!! ” تعلمُ مقدار ألمه ولكن ليس باليد حيلة . يهرول الوقت بهم والعقاب هو الحرمان من الطعام..!
بينما هي مستندة على الحائط وهو ممدد أمامها كان هناك جرذ يشرع في الغرفة ذهابًا وإيابًا حتى حصل على قطعة خبز ضائعة في أحد أركان الغرفة رأتها فقفزت إليها تحاول سلبها من بين مخالبه لكن الجرذ أدرك الخطر وغيّر طريقه بعيدا عن الجحر لتقف أمامه وتضع قدمها على جحره.. كانت هناك فئران جائعة فنشب عراك الأمهات على قطعة الخبز تلك.. هرول الجرذ إلى الفجوة ووهمها أنه سيتجه يسارا ولكنه تجاوز قدمها ليظفر الجرذ بقطعة الخبز لم تتحمل أن ينتصر عليها جرذ ؛فحشرتْ يدها في الجحر حتى أمسكت بها وامسك الجرذ بإصبعها و اجتثه فصاحت بكل قوة وراحت تجهش بالبكاء ..لم يعد هناك فرحٌ قد يخطئ ويصادفها ..!!
“ماما الشتاء.. ماما أتى الشتاء..” التفتت إليه وإلى تلك الماسورة في أعلى الزنزانة يخرّ منها ماء المجاري على طفلها لتغير موقع فراشه وتطعمه قطعة الخبز بعد أن بللتها بلعابها حتى يسهل مضغها الذي يشق عليه انضجعت بجواره ..لهيب يخرج مع أنفاسه راحت تحكي له عن ” جحا”حتى دلف ذو الساق الثالثة فزحفت إليه متوسلة تقبل بسطاره الضخم وأخيرًا ناولها قنينة ، ثم يفتح جفنه بصعوبة ويرى أمه بجواره وبيدها قنينة : ” افتح فمك يا صغيري أتى الدواء “..تقولها وهي غارقة في البكاء، تناول ما أحضرته أمه دون تردد أو خوف، أراد الخلاص من هذا الألم والتعب.. وتجرعت هي الباقي لتضعه على صدرها وينامان…”_ماما.. استيقظ ماما..” كان يقف على قدمه ويمسك في يده حجر خربش به على الجدار وأمسك بيد أمه وراح يجرها خلفه.. احتضنتها رياح الصيف ولفحت وجهها بحرارتها ..رأت الباب الذي صنعه “نورس” وهى تتخطى الزنزانة وتغادر الجدران الأربعة، الجميع هنالك يلوح لهم حتى والد نورس بزيّه العسكري “صاحت.. نورس انظر هذا بابا..!! حسينة وجلال وحتى الجد طوني كلهم هناك” ،ينظر نورس إلى عينيها “لقد خرجنا يا ماما.. خرجنا” لم تغِب شمس ذلك اليوم…!
وفي اليوم التالي حُملت الجثتان خارج الزنزانة يحملهما جندي يمضغ علكًا ويشطب “نور و نورس” من ورقة قد ملئت بأسماءٍ كُتب أعلاها ” قائمة من تم العفو عنهم ” .

مبادروة ملتزمون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى