المقالات

السعودية والثورة الإدارية

السعودية والثورة الإدارية

بقلم 
الكاتب / عبداللطيف الضويحي

وراء كل نجاح حقيقي إدارة ناجحة. ابحث دائما عن الإدارة وراء النجاح والفشل. لأن الإدارة الناجحة ليست معلبة أو مستوردة لكنها تنمو وتترعرع في حاضنة ثقافة الشعب، فمهما نجحت الإدارة في مؤسسة أو شركة سيكون نجاحها محدودا زمنيا ومكانا، ولن يكتب لها الانتشار والتوسع، ما لم تفرض بقوة القانون لتصبح جزءا من نسق القيم فتمد جذورها في قناعات الناس وضمائرهم وسلوكهم. من أبرز التجارب الإدارية في المملكة تجربة أرامكو، كما أن تجربة مستشفى الملك فيصل التخصصي تعد علامة بارزة في مرحلة من تاريخها، ناهيك عن تجربة معهد الإدارة العامة في مرحلة زمنية مضت للأسف لم يقيض لتلك التجارب أن تؤثر في محيطها الحكومي وغير الحكومي. لكن التحدي الحقيقي الذي يواجه الإدارة اليوم هو التقنية والتي نسفت الكثير من القواعد الأساسية للعملية الإدارية والمفاهيم التقليدية للنظريات الإدارية. في عصر التقنية سلمت الإدارة للتقنية كي تقود العمل والعاملين وهذا ألغى تماما دور الإدارة. لقد أحدثت التقنية تحولات جذرية في التنظيم الإداري والتخطيط والهياكل الإدارية ونسفت الإجراءات المطولة وغيرت أدوات الرقابة وآليات المحاسبة ورواتب الموظفين وقلبت الوصف الوظيفي رأسا على عقب وأحدثت التقنية مقاييس جديدة للعملية الإنتاجية في العمل وانقرضت مع التقنية بعض المهن العريقة والمهام الإدارية والفنية الكلاسيكية واستبدلتها بمهن جديدة ومهام جديدة، الأمر الذي جعل التقنية هي التي تقوم بعمل الإدارة. تعد التعاملات الإلكترونية في المملكة رائدة في مجال التقنية مقارنة بالعديد من الدول، وقد خطت خطوات كبيرة في مجال تبني التعاملات الإلكترونية، حيث قطعت المؤسسات الحكومية وغير الحكومية مراحل مهمة تشريعا وتنظيما وتطبيقا في تعاملاتها الإلكترونية. لكن كل هذه الجهود بقيت على صعيد التقنية ولم يتلازم ذلك مع تغيير حقيقي على الإدارة، وتم الاكتفاء بالمواءمات والاتساق والترقيع المحدود بين التقنية وكل مؤسسة على حدة. المرجعيات الإدارية في المملكة بقيت سلبية لم تستجب بما ينسجم مع حجم التغييرات التي أحدثتها التغييرات الهائلة في التقنية. أين معهد الإدارة العامة؟ وأين المرجعيات الإصلاحية الإدارية لتتقدم خطوة تجاه عشرات الخطوات التي أحدثتها التقنية؟ للأسف الشديد فإن التعاملات الإلكترونية بقدر ما سهلت التعاملات والإجراءات، وحققت إنجازات لطرف واحد، هي تعقدت من الجانب الآخر وهضمت حقوقه. فالمتعاملون مع المؤسسات الحكومية وغير الحكومية أهدرت حقوق بعضهم وكرامتهم أحيانا بسبب بؤس العقلية الإدارية وتخلف الأنظمة الإدارية والتعاملات التي يقف وراءها موظفون لا يزالون يتعاملون بالواجبات وينكرون الحقوق. البريد السعودي على سبيل المثال والبنوك وسمة والكثير الكثير من المؤسسات تسهل على نفسها فتستخدم التعاملات الإلكترونية وترغم الجمهور على أن يدفع ثمن هذه التعاملات الإلكترونية من ماله ووقته وجهده وكرامته أحيانا بطول الإجراءات والمماطلة والرفض والتنكر لحقوقه، وفي المقابل ليس من حقه أن يستفيد من التعاملات الإلكترونية مثلما تستفيد منها تلك المؤسسات. يجب سن تشريع يحظر على تلك المؤسسات الحكومية وغير الحكومية استغلال البيانات الخاصة وتداولها بطريقة تجعل من الإنسان بلا قيمة وبلا حقوق. يجب أن تشمل التعاملات الإلكترونية الطرفين. لا يجوز أن يتلاعب موظف بالمراجعين لمجرد أن ليس لهم سلطة أو قرار أو قدرة على تلك التعاملات الإلكترونية. إذا كانت البيانات الخاصة بالإنسان متوفرة لكل الوزارات والهيئات أو بعضها، كيف تستفيد منها تلك المؤسسات بضغطة زر، بينما على المراجع أن يذهب لكل وزارة على حدة ويطلب حقوقه أو خدماته من كل جهة على حدة؟ هناك حاجة ماسة ومتفاقمة للتغيير الإداري يشمل الأنظمة والعقليات الإدارية والإجراءات البيروقراطية، يتوازى مع حجم التغييرات التقنية التي تم تبنيها. لا أفهم أن تصل التعاملات الإلكترونية مداها، بينما الإجراءات تزداد تعقيدا والعقليات الإدارية لا تزال تطبق التعاملات الإلكترونية من طرف واحد ولصالح طرف واحد. لقد حان الوقت لإحداث وزارة للتنمية الإدارية على أنقاض وزارة الخدمة المدنية وتضاف لها بعض مهام معهد الإدارة العامة والمؤسسات ذات الصلة بالتطوير الإداري. إن الإدارة المطلوبة لا تتعلق فقط بتغيير الوزير لكنها تتعلق بمنظومة كبيرة من المؤسسات الحكومية المنتهية الصلاحية أو المعطلة بسبب جيوش من الموظفين غير اللائقين مهنيا وسلسلة طويلة ومعقدة من الإجراءات التي يعود بعضها للقرن الماضي. والأمر يتعلق بإحداث ثورة إدارية تنسجم مع الرؤية 2030 يكون أساسها العدل والمهنية والإنتاجية والإدارة الحضارية وتفعيل مبدأ التدوير الوظيفي بين كافة الأجهزة الحكومية وتتحالف مع التقنية لا تقاومها ولا تستسلم لها، تحارب الفساد والمحسوبية والترهلات الوظيفية، وترتقي بالمجتمع وتردم الهوة المتنامية بين القطاع الخاص والقطاع العام. من المهم القول هنا بضرورة تأسيس معهد عاٍل لإعداد القيادات الإدارية في المملكة تشرف عليه وزارة الخدمة المدنية.

مبادروة ملتزمون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى