الإعلامي عبدالعزيز قاسم

حَمَدُ الْقاضي.. إنَّها لَمَآثِرُ تَبْقى

منصة الحدث ـ بقلم الإعلامي وكاتب صحافي ـ  عبد العزيز قاسم

 

• بِخطًى وئيدة، متَّجهًا إلى المنصَّة في تلك الصّالة الكبيرة بمركز الملك فهد الثّقافيّ بالرِّياض؛ ليُرسل بصره علينا حالما استوى على المنبر، ويبدأ كلمته، محلِّقًا بنا في لحظة إنسانيّة لمَّا تزل في الذّاكرة؛ فبين الدّموع المتهاملات من عينيه، ونشيجه وهو يناجي والدته التي رحلت عنه وهو في سنِّ السَّابعة، أطبق الصَّمت الثَّقيل على كلّ الصّالة.

• بمجرّد أن تلقَّيت دعوة نادي جدّة الأدبيّ إلى حضور افتتاح “ملتقى النّصّ” الثَّامن عشر، مساء الثّلاثاء الفارط، وقد صدَّر ذلك النَّادي -الذي لا يتثاءب- رسالته بأنَّ الأديب الكبير حمد القاضي هو الشَّخصيّة الأدبيّة البارزة التي ستُكرَّم هذا العام، إلّا وانْثالَت من الذّاكرة صورته تلك قبل 13 عامًا، والدّموع تتهامل من عينيه في المنصّة إبّان تكريمه، وقتذاك.

• لا أنسى أبدًا تلك الأمسيّة الَّتي أقامتها وزارة الثّقافة والإعلام في (22 يناير 2008م) تكريمًا لحمد القاضي. وكان يمكن لذلك الحدث أن يكون عابرًا لديّ، كعشرات من حفلات التّكريم المكرورة الّتي حضرتها؛ بيد أنّه في تلك الليلة، ووقتما أعطيت الكلمة لأبي بدر، فاجأنا في بداية حديثه بمناجاةٍ ساحرةٍ ووالدته، عبر إلقاءٍ شجيِّ وآسر.

• فأمام العشرات من المثقَّفين والأدباء الّذين تقاطروا للحضور حبًّا في أستاذنا الكبير، في مَقْدِمِهم معالي الوزير الأسبق إياد مدني، ومعالي الشّيخ ناصر الشّثري (يرحمه الله) وكوكبة كبيرة من المثقّفين مَلَؤُوا قاعة المركز الثّقافيّ بالرّياض، وفي ظلّ الإنصات الكامل لكلمة المحتفى به، انسكبت دموع أديبنا المُرْهَف حَرَّى سخينة!

• كان -وهو على المنبر- يناجي والدته، تقطع تلك المناجاة حشرجات حزينة عميقة التأثير، أتذكّر أنّ دمعتين طفرتا رغمًا عني؛ ليمضي بعد ذلك في إتمام كلمته، وقد اهتزّ كلُّ مَن في المجلس تأثّرًا بخطاب الابن البارّ لأمّه، وقد أهدى هذا التّكريم -السّابق والحاضر والآتي- لها فقط، منتظرًا منها الهدية الّتي ستأتي له بها -كما أخبروه حينها وهو طفل- ولم تأتِ ليومه!

• أزمعت أن أتداخل في أمسيّة نادي جدّة الأدبيّ، وكنت متهيّئًا لحضورها بسبب مكانة أبي بدر في نفسي، وأنا -ومعظم جيلي- ممّن تتلمذ على “المجلّة العربيّة” الّتي كان رائدها، غير ناسٍ مجلّة “اليمامة” وفهد العرابي الحارثي، ومجلّة “الفيصل” وزيد الحسين، ومجلّة “الحرس الوطني” وعبد الرحمن الشثري، وملحق “الأربعاء” ومحمد صادق دياب، وملحق “النّدوة” ومحمد موسم المفرجي.

• ظرفٌ عائليٌّ دهمني ألّا أحضر تكريم أستاذ الحرف حمد القاضي، وكم تألّمت في عدم ظفري بالسّلام عليه، وعلى صديق عمره الإعلاميّ الكبير منصور الخضيري؛ مدرسة الأخلاق والتّهذيب والرّقِيّ، وخمَّنت حضور كاتبنا المبدع خالد السّليمان؛ فهو مَن يكمل حلقة الذَّهب مع أبي بدر وأبي عبد العزيز.

• كم يقدِّر إعلاميّ -مثلي- ما تقوم به جامعة العلوم للتّكنولوجيا عبر هذا التّكامل بين الصّروح العلميّة والأندية الأدبيّة، ولا غرو فالدّكتور عبد الله دحلان مبادرٌ دومًا ومحتفٍ بكلّ نشاطٍ ثقافيّ، ونادي جدّة الأدبيّ لا يتوقّف عن الحراك والعطاء، ورغم “كورونا” وتبعاته، فالنادي شغوفٌ دومًا بالرّيادة الأدبيّة بقيادة ربَّانه د.عبد الله السّلمي وفريقه الوفيِّ.

• مَن يعرف حمد القاضي لَيُمَيِّز الخُلقَ الرَّفيع فيه، والأدب الجمَّ، وكتبت في مناسبات عدَّة أنّه من القلّة النّادرة في هذا الزّمن ممّن يُجمع النّاس والنُّخب -على اختلاف توجُّهاتهم- على محبَّته وتقديره واحترامه. وبالتأكيد، لم يَحُز على ذلك إلّا بسبب هذه الأخلاق “المحمّديّة” الّتي يتمثّلها، وقد ألَّف كتابًا عن أصدقائه الرّاحلين؛ يحكي عنهم وتراثهم، بعنوان: (غاب تحت الثَّرى أحبَّاءُ قلبي)، والّذي كتبه وفاءً لسبعين شخصيّة ممّن عاصرهم.

• الوفاء تجاه الأموات لا يمكن أن تطوله التّهمة والرّؤى المستريبة من أولئكم الذين سملت أعينهم الغيرة والحسد، ورمي الآخرين بالظّنون السّوداء؛ فهؤلاء أمواتٌ رحلوا ومضوا إلى لقاء بارئهم، فلا مصالح دنيا يرومها الإنسان من ذكرهم، والثّناء على مواقفهم، كتبت ذلك في مقالة لي بعنوان: “والدة حمد القاضي الحاضرة في وجدانه أبدًا”.

• أفشيت في تلك المقالة الّتي كتبتها قبل عشر سنوات سرًّا، ائتمنني عليه أستاذنا الكبير؛ ذلك أنَّني عندما شرعت في إعداد مادّة كتابي عن أستاذي الرّاحل د.عبد القادر طاش، سمع بذلك واتّصل بي، وقال: إنّي طالبك أمرًا، فأرجو منك ألّا ترُدَّني. فهتفت من وهلتي: أبشر، فأنا أتمنّى من زمن أن أتشرّف بأيّ خدمة أقدّمها لك، لمكانتك في نفسي وتتلمذي على حرفك=

• فقال لي: سمعت أنّك بصدد إصدار كتاب عن أخي عبد القادر طاش؟ فأجبته بنعم. فبادرني: ستُكرمني إذا تركت نفقات طباعة الكتاب عليّ، فأنا أحبّ ذلك الرّجل، وبيني وبينه مودّة وإخاء، ورجائي بألّا يعرف أحد بهذا أبدًا، وتعدني على ذلك؛ لأنَّ هذا بيني وبين الله. ما زلت أتذكّر تلك اللّحظة الّتي توقَّف فيها الزَّمن، ولم أعد أشعر بالمكان حولي من فرط تأثُّري بمبادرة ونبل ووفاء الرّجل وشروطه؛ فوافقت.

• أفشيت ذلك السِّرَّ في مقالتي الآنفة، مخالفًا ما وعدُّته بعدم ذكري هذا الموقف النّبيل له؛ لأنَّني رأيت من المصلحة ذكر هذا في حياته؛ لأدلّل على أنَّ الوفاء الحقيقيّ الخالص خصلة متأصِّلة في شخصيّة هذا الرّجل النّبيل، وأعرف عشرات القصص عن شهامته ووقفته مع الزّملاء الذين دالت بهم الأيّام، ولعمرُ الله إنَّها لمآثر تبقى ولا تُطْوى، وتُذكر ويُشكر أصحابها.

• طُبع الكتاب، وعوَّضه الله خيرًا عن تلك الدّراهم الّتي أنفقها، الّتي تتقالل أمام عِظم ونبل الموقف الّذي بقي في تأريخه وسيرته، سيتذكّرها الكثيرون -وغيرها من مواقف الشّهامة والنّبل والوفاء- ويقتدون بها؛ فالمروءة لم تغب، والوفاء باقٍ ما بقي أمثال أستاذنا حمد القاضي.

• كلُّنا راحلون، والحصيف من يجترح المكارم والمروءات، ويقف مواقف النّبل والشّهامة والوفاء؛ طمعًا في أجر الله، وتخلُّقا بآداب الإسلام، وإفشاء لتلك الخِلال الّتي كان عليها الأجداد، والتي بدأت تندثر إلّا مِن القِلّة.
وكثيرون ماتوا عن ملايين ومليارات ، لا يُذكرون إلّا بالسّوء، وآخرون كانت لهم وجاهات منعوها عن محتاجين وذوي قربى، وذهبوا والأفواه تلوك في شُحِّهم وعدم مروءتهم، ولا يبقى الذّكر الحسن إلا لذوي المواقف والنّبل.

تغريدات الإعلامي وكاتب صحافي
: عبد العزيز قاسم

https://twitter.com/azizkasem/status/1500502827407400969?t=yj-o6veYOzQdv6qUBhoptA&s=19

مبادروة ملتزمون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى