الإعلامي عبدالعزيز قاسم

الضيافة و المضافات في نجد.. أي شرف!! بقلم الإعلامي وكاتب صحافي: عبد العزيز قاسم مقالتي اليوم مقتطفات من كتابي الذي انتهيت منه والحمد لله"سليمان و عبدالعزيز القاسم..قصة كفاح وملحمة إخاء"، يتحدث عن تلك البيوت التي كانت مفتوحة للضيافة قبل عقود، وما زال بعضها للآن

الضيافة و المضافات في نجد.. أي شرف!!

     بقلم الإعلامي وكاتب صحافي: عبد العزيز قاسم

     

ما زلت لليوم متأثّرًا بشكل عميق بما ذكره رجل الأعمال الخلوق أحمد المقيرن، في أمسيّة ضمّت مجموعة فضلاء بالطّائف، بأنّه كان عند معالي الشّيخ ناصر الشّثري،مستشار الملوكوأحد أبرز الشّخصيّات المقرّبة، قبل أن يتوفّاه الله تعالى بثلاثة أيّام، وكان أوّلسؤال سأله عندما عرف أنّه في جهة مدينةالقويعية“: “مِنْ هُو اللي فاتِح بِيته؟، يقصد أولئك النّفر الذين تظلّ أبوابهم مفتوحة للضّيوف؟ فيقول المقيرن إنّه أبلغه باسم أحد أولئك الكرماء، ليجيبه معالي الشّيخ الشّثري: “لو إنّي بصحّتي، رِحتْ زرته، وسلّمتْ عليه، وشكرته“.

معالي الشّيخ ناصر الشّثري يرحمه الله، وهو مَن هو في مكانته الكبيرة، لم يكن يسأل ذلك السؤال، وهو في فراش الموت؛ إلّا لعظمة ومكانة الضّيافة في نفسه ومجتمعه، وأنّها شيمة وقيم من القيم التي ترفع الرّجل وأسرته وقبيلته، ولا غرو أنّ بيت عائلةالشّثريمنسنوات طويلة مضافة لا تغلق أبوبها إلى هذا اليوم، وتعدّ من أشهر المضافات المعروفة منذالقدم، وقد تشرّفت بولوج ديوانيته في جدّة لمرّات عدّة، وألفيت جمهرة النّاس، من شتّىأجناسهم وأعراقهم، في تلك الديوانيّة التي لا تخلو أبدًا.

وإذ أفتح موضوع المضافات في نجد هنا؛ لأنّ جدّ أسرة القاسم، أميررْوَاقْ، فتح بيتههناك كمضافة للقادمين إلى بريدة والمغادرين لها من بوّابتها الجنوبيّة؛ لذلك سأقتصر فيالحديث عن المضافات في نجد وبريدة بالخصوص، وإلّا فالضّيافة والكرم موجودان في كلّالشّعوب، وذكرت في كتابي *”أوزبكستان منجم العلماء.. جولة في بلاد الإمامالبخاريّ“*، كيف أنّ موسري أولئك القوم، أقاموا مضافات على طول البلاد وعرضها،خصوصًا طريق الحجّ، بحيث ينام عابر السّبيل والحاجّ والمسافر في تلكم الأربطة ويأكل،حتّى أوقفوا أوقافًا باقية ليومنا هذه في مكَّة المكرّمة والمدينة المنوَّرة، تقدَّر قيمتهابالمليارات، وما قصدته بأنّ الضّيافة موجودة في كلّ الشّعوب والأعراق، بيد أنّ حديثي هناعن نجد لموضوع كتابي الذي بين أيديكم.

                                                  *الصَّحْراءُ.. سَبَبٌ*

لجأت إلى الباحث الصّديق عبد الله أبا الخيل، الذي أدلُّ عليه بمكانتي في نفسه،فحاصرته، رغم مشاغله، فأدلى بهذه المداخلة المرتجلة منه، قال لي فيها: “ابتداء؛ مسألةالضّيافة والمضافات موجودة في القبائل العربية منذ القدم، ونسرد هنا للتّدليل أسواق(عكاظ) و(ذي المجاز) و(مجنة) وغيرها من المناسبات، التي كان يتفاخر العرب من خلالهاويتنافسون، ونحن إنّما نتحدّث اليوم عن سلالة أولئك القوم، وقد ورثوا عادات الضّيافةوالكرم من أولئك الأجداد“.

الضيافة و المضافات في نجد.. أي شرف!!

ويُعدِّد الباحث العريق أبا الخيل الأسباب التي دفعت أهل نجد للحفاظ على تلكمالمضافات، واعتبار مسألة الضّيافة شرفًا وقيمة عالية عندهم، فيقول: “نجد بالعموم تقعفي منطقة صحراويّة نائية، ليست مشرفة على بحار، ولا موانئ مفتوحة، وليس فيها مدنمقدّسة يؤمّها النّاس، وبسبب تلك المساحة الكبيرة المُقْفِرة؛ كثرت فيها السّباع، وانتشرقُطَّاع الطّرق والسُّرَّاق، وانعدم الأمن، وفشت الأوبئة والأمراض؛ كلُّ ذلك جعل النّاسيتكاتفون فيما بينهم، وتولَّد بينهم عرفٌ اجتماعيٌّ يقوم على التّكافل فيما بينهم، فلم يكنوقتها ضمانٌ اجتماعيٌّ أو (حافز) أو (حساب مواطن)، أو لنقل تنظيمٌ إداريٌ حديثٌ، كمااليوم والحمد لله“.

ويشير أبا الخيل إلى أنّ النّاس كانوا يسافرون على الإبل والحمير، وبعضهم على الأقدام؛لذلك كان لا بد لهؤلاء المسافرين أن يتوقّفوا للرّاحة وترتاح دوابّهم، وثمّة بلدات وقرىومزارع في الجواد (الطّرقات) يقفون بها، خصوصًا في أوقات الشّتاء ما يتقّون به المطروالبرد، أو في القيظ للتّبرّد، ولا يوجد وقتها إلا الموسرون، ومَن أوسع الله له في الرّزق،فيسارعون في ضيافة هؤلاء، لأنّه لا شقق سكنية ولا استراحات، ولا مطاعم“.

ويقول أبا الخيل إنّ مسألة ضيافة عابري السّبيل أو المسافرين هؤلاء حاضرة، عند ذوياليسار، فحتّى إذا أشرفوا على الوفاة، أوقفوا في وصاياهم بثلث أموالهم للصّرف علىالمحتاجين، وهناك من يوصي بربعغلّتهمن المزارع، لإطعام هؤلاء الفقراء، ويقول: “اطّلعت على وصايا قديمة، وأتذكّر أنّ أحدهممن جماعتنا في بريدةأوصى قبل١١٦٠هـ، أي قبل 300 عام، بــ80 صاعًا من غلّة المزرعة، وذكر نصًّا بأنّ عشرة أصواع منهاتكون عشاءً للغريب“.

                                                      *الضِّيافَةُ وَاجِبَةٌ*

في أحد لقاءاتي بمعالي الشّيخ الخلوق سعد بن ناصر الشّثري، طرحتُ عليه موضوعالمضافات، وسألته عن سبب كثرتها في نجد، فأجابني بأنّ صميمها تعبُّديًّا؛ إذ يقول إنّالإمام أحمد بن حنبل واللّيث بن سعد يريانها واجبةٌ يوما ًوليلة، على أهل البادية، وأهلالقرى، دون أهل المدن، لأنّ أهل القرى هم الذين يجتاز بهم المارّون، وكذلك البدو الذين يجتازبهم المارّون أصحاب الحاجة.

والحقيقة أنّني أعرف أناسًا لا يأكلون وحدهم أبدًا، ومرَّ علينا في العمّ سليمان القاسم أنّهيدعو عمّاله ليأكلوا معه، وأتذكّر العمّ حاضر العريفي (يرحمه الله) في مدينة الطّائف، كانينتظر على الإفطار والغذاء والعشاء مَن يأكل معه، بل أخبرني بعض معارفه أنّه إن كانعلى سفر، يقوم بتأجيل سفره، إن علم بقدوم أحد له، وأخذ أحد أبنائه تلك الخصلة منه، فلمأرَ في حياتي رجلًا يتهلّل وجهه عند قدوم ضيف مثل هذا الصّديق القريب لي، الذي تشعرمعه بأنّك من تفضَّل عليه إن أتيته، يذكركوغيره من مئات الفضلاءبكرام العرب الذينخلّدهم التّاريخ، وتذكّرت قصّة الصّحابي الشّهير قيس بن عاصم،تنسب في رواية لحاتمالطّائيوكان جَوَادًا وسَيِّدًا من سادات العرب، اشتهر بالحلم، وكان لا يأكل وحده، وعندماتزوّج من امرأة، أحضرت له طعامًا، فقال لها: أين أكيلي؟ فلم تدرِ ما يقول لها، فأنشأ يقول:

*إذا مَا صَنعتُ الزَّادَ فالتمِسِي لَهُ*

*أكيلًا، فإنِّي لستُ آكلهُ وَحدِي*

*أخًا طارقا، أو جارَ بيتٍ فإنَّني*

*أخافُ ملامَاتِ الأحَادِيثِ من بَعدي*

*وإنِّي لعَبْدُ الضَّيفِ مِنْ غيرِ ذلَّةٍ*

*ومَا في إلَّا ذاكَ مِنْ شِيمَةِ العَبْدِ*

      *تَعْسًا.. لِلْبُخَلاء!*                                                            

أختم هذه الاستطرادة في الكتاب، وحديثي عن الضّيافة المضافات وقيمتها العالية عندالعرب وفي الإسلام، بأنّني كنت أُلهم بالدّعاء وأنا أقرأ أسماء أولئك الفضلاء الذين ذُكرواستأتي أسماؤهم في المقالة التاليةبكل الثناء، وهي أسماء تصطفّ بجوار أسماءخلّدهم قومهم ومجتمعاتهم وبعضهم لمّا يزل، إن ذُكر الكرم والجود، قفزت أسماؤهم أمامنا،وقد سطّرت بأحرف من نور، تتابعهم دعواتنا.

وأتعجّب كلّ العجب من أولئك الذين مَنَّ الله عليهم بالمال والسّعة، ولكن جعل الفقر بينأعينهم عبر تقتير على أنفسهم، وبخل على أهلهم، وإمساك عن معارفهم وقراباتهم ومنيقصدونه من النّاس، وليُوصَم بالبخل إن ذُكر، وليتها تقتصر عليه! بل تمتدّ لعائلته التيتوصم بتلك الصّفة الشّنيعة، وبذات ما يدعو النّاس لأولئك الكرماء، إن ذكروا، بذات مايدعون ويحقرون ويشمئزون من هؤلاء الممسكين البخلاء، وقد ذهبوا إلى قبورهم، ولايُذكَرون إلّا بكلّ سوء وتسفيل، ليبعثر أبناؤه المال الذي أفنى عمره في الحرص عليه، وعدمبذله في المكرُمات، وتحضر أبيات حاتم الطّائي الشّهيرة عندما عاتبته زوجته ماوية علىإنفاقه وكرمه، فقال بهذه الأبيات:

                                          *أماوي إنّ المال غادٍ ورائحُ*                                       *ويبقى من المالِالأحاديثُ والذّكرُ*

 *أماوي ما يُغني الثّراءُ عن الفتى*                                           *إذاحشرجتْ نفسٌ وضاقَ بها الصّدرُ*

معالي الشّيخ سعد الشّثري قال لي إنّه من متابعة لأحوال كثير ممن فتحوا بيوتهمللضّيوف، أنَّ الله وسّع عليهم وزادهم، ورفع منزلتهم، عكس أولئك الموسرين الذين أغلقوابيوتهم، وهو ما أكّده العمّ عبد العزيز القاسم يرحمه الله، بنسب فضل ما وسّع الله عليهملفتحهم أبوابهم للضّيوف، وأن كلّ عام يزيدهم الله سعة وغنى عن الأعوام الماضية.

فعلًا، هناك من جعل الله الفقر في عينيه، ولو ملك كنوز الدّنيا، ما أسوأ البخل! وما أتعسالبخلاء!

     تغريدات: عبد العزيز قاسم

      إعلامي وكاتب صحافي

مبادروة ملتزمون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى