الإعلامي عبدالعزيز قاسم

ساعَتانِ في مُتْحَفِ أَميرِ الشُّعَراءِ

منصة الحدث ـ بقلم الأستاذ ـ عبدالعزيز قاسم

في شُرْفَةٍ واسِعَةٍ فَخْمَةٍ، مِن تلكَ الشُّرُفاتِ الباشَويّة المصريّة إِبَّان عصرها الذهبيّ؛ وقفتُ مأخوذًا متأمِّلًا، وأرسلتُ بصري تجاه النَّيل السَّاحِر، وأتيتُ خلفَ مكتبِ أميرِ الشعراءِ أحمدَ شوقيٍّ في دَارته “كَرْمة ابن هانئ” الشّهيرة؛ كي أتخيّله على هذا المكتب والنّيل ينسابُ بهدوءٍ كاملٍ، وسحرٍ يأخذُ بمَجامِع النَّفس!

كان المكتبُ الفخمُ في صالةِ تَعُجُّ بتلك “الدّمياطيّات” الخشبيّة المصريّة في عزِّها؛ لأرسلَ بصري للنّيل السّاحر أمامي، وكنتُ في حالةِ خَدَرٍ كاملٍ؛ إذْ لا أروعَ مِن أنْ تَجُولَ في أمكنةٍ لشخصيّاتٍ تعلَّقتَ بها، وهِمْتَ بنتاجِها ومواقفِها، وشوقي ممَّن تعلّقت بهم، وعَشِقْتُ شعرَه.

أخطو خطواتٍ نحوَ شرفةٍ على اليمين في قصره الأُبَّهَة، الّذي تعمَّدَ أنْ يبنيه بعيدًا عن قصر الخديوي عبّاس، الذي نُفِي بسببِ عَلاقته به إلى إسبانيا، وآثَرَ السُّكْنى في هذا القصرِ؛ ليحظى باستقلالٍ بعيدًا عن الخديوي.

وتجدني أقفُ على شُرفة قصرِه ذاك، والتي كان يطلُّ شوقي منها على الأهرامات مباشرةً؛ إذْ في العصرِ الذي بنى فيه هذا القصر ببدايات القرن الفارط لم تك ثمَّةَ مبانٍ تحجبُ رؤيةَ الأهراماتِ المعجزةِ تلك، فلا غروَ والمكان كلّه -نيلًا وأهراماتٍ وفخامة القصر- يدفعه إلى الإبداعِ ويكون أغزر شاعر عبر التأريخ العربي كلّه؛ إذْ كتبَ 23 ألفًا وخمسمائة بيتٍ شعريٍّ.

هذه زيارتي الثّانية لمتحف أمير الشعراء هناك في الجيزة، بقاهرة المُعِزّ، ولكن هاته الزّيارة لها طعمها ورونقها؛ إذ رافقنا -صديقي خالد لبيب وأنا- الدّكتور السّيد العيسوي المشرف الثّقافي بالمتحف، وكانت رسالة الدّكتوراة خاصّته عن أحمد شوقي؛ لذلك طافَ بِنا في عوالمَ بعيدةٍ واستثنائيةٍ عن حياةِ “البك الأرستوقراطي” ذاك، وكان حاضِرَ الإجابةِ معنا حيالَ الأسئلةِ التي انْبَجَست عن حبٍّ عميقٍ، وقراءةٍ من سنيّ اليفاعة لشعرِ ذلك الكُرْدِي، وحفظٍ لبعضِ قصائدِه الغُرَر، وإعجابٍ عميقٍ بمواقفه ضد الاحتلال البريطاني لوطنه.
بمجرّد دُخولك فناءَ القصرِ؛ لينتصب تمثالٌ كبيرٌ من البرونز على يمينك لأمير الشّعراءِ، قام بنحته فنانٌ مصريٌّ اسمُه جمال السّجيني، أهداه للمتحفِ في ذكرى وفاةِ أميرِ الشّعراءِ الخمسين.

ترسِلُ بصرَك تجاهَ الفناءِ الجانبي لتجدَ جلساتٍ مظلَّلةً، كان شوقي يجلسُ فيها مع ندمائه في أمسيّات القاهرةِ السّاحرةِ، كانوا من صفوة الطبقة المصريّة ونخبتها -إذاك- وتقام فيها اليوم ندواتٌ وأمسيّاتٌ ثقافيّةٌ، لتصعدَ سلالمَ عريضةً وتدلف إلى البابِ الكبيرِ للقصر، لتجدَ نفسك مباشرة في صالةٍ طويلةٍ، يستلفتُ نظرَك -مباشرة- تمثالٌ نصفيٌّ في نهايتها، صمَّمه فنانٌ لبناني في باريس، وأهداه له في حياته بمناسبة تتويجه بلقب أمير الشعراء، وهناك لوحة بجوار التمثالِ، تحكي قصّة هذا التّمثال، كتب فيها:
“من أعمال الفنانِ يوسف الحويك… يحكي حسين شوقي (ابن أمير الشعراء): لما سافرنا إلى فرنسا -عليٌّ وأنا- لدراسةِ الحقوق، رافقنا إلى هناك، حيث كان يقضي جزءًا كبيرًا من الصيف خاصّة في باريس، التي كان يحبُّها حبًّا جمًّا، وفي ذلك الوقت كان يدرس في باريس مثَّالٌ لبنانيٌّ نابِهٌ، يدعي (الحويك)، وقد رأى أن يصنع لأبي تمثالًا نصفيًّا، وقَبِل أبي -بعد تردُّدٍ طويل- إذ كان يبغض أن يجلس طويلًا لهذا الغرض، ولمَّا كان على أبي أن يجلس الساعات الطويلة فقد كان علينا أن نسلّيه، وهو أمرٌ مُمِلٌّ لنا؛ لذلك أحضرنا له المرحوم الأستاذ خير الله، الذي كان يحبّ الثرثرة ليحلَّ محلَّنا، والأستاذ خير الله هذا، كان صحفيًّا لبنانيًّا قديرًا ومثقَّفًا. وقد صُنعت لأبي فيما بعد تماثيل أخرى، ولكنَّ تمثال (الحويك) -في اعتقادي- خيرها جميعًا”.

هناك غرفة على يمينك بمجرّد خطوك بضعَ خطوات في تلك الصّالة السّفليّة الطّويلة، قال لنا عنها الدّكتور السّيد العيسوي إنها غرفة الطّعام، وإن أحمد شوقي كان رجلًا مِضيافًا، قلَّما يأكل مع أهل بيته، من كثرة حبِّه للضّيوف، وانتبهتُ للمجلّدات والمسوَّدات الكثيرة في تلك الغرفة، وأخبرنا بأنّ مكتبة المتحف تحوي 332 كتابًا ومسوّدة مخطوطاتٍ لشعره بخطِّ يده. وبالطبع انكببت -بتلذُّذٍ ونهمٍ شديدين- أقلِّب في تلك المسوَّدات، وأجزم يقينًا بأنّه رجل ينساب الشّعر منه انسيابًا، ولكأنّه يتحدّث شعرًا من مُكنته؛ إذ التّعديلات التي قام بها يسيرة، يشطب كلمة هنا ويستبدل بها أخرى، في القصيدة الواحدة لا تجد سوى بضعة تعديلات فقط، وعهدي ببعض الشّعراء -ممّن أعرف- تمتلئ مسوّدات أشعارهم بالشّطب الكامل، ورحت -بشغفٍ وإصرار- أبحث عن بعض قصائدَ بخطِّ يده، لمكانتها في نفسي، ومن يعشق شوقي مثلي أهمس له، بأنّ قراءة القصيدة بخطِّ يد أمير الشعراء أمتع وأروع وأكثر تأثيرًا في النّفس من قراءتها من ديوانه.

القصيدة الأولى التي كنت أبحثُ عنها، هي قصيدة “وُلِد الهدى” التي حفظتها أيّام الطلب في يفاعتي، من شدّة إعجابي بها، وهو يمدح بها سيّد البشر (ﷺ) وكنتُ متلهَّفًا لقراءة هاته الأبيات بخطِّ يده:

فَإِذا سَخَوتَ بَلَغتَ بِالجودِ المَدى
وَفَعَلتَ ما لا تَفعَلُ الأَنواءُ

وَإِذا عَفَوتَ فَقادِرًا وَمُقَدَّرًا
لا يَستَهينُ بِعَفوِكَ الجُهَلاءُ

وَإِذا رَحِمتَ فَأَنتَ أُمٌّ أَو أَبٌ
هَذانِ في الدُّنيا هُما الرُّحَماءُ

وَإِذا رَضيتَ فَذاكَ في مَرضاتِهِ
وَرِضا الكَثيرِ تَحَلُّمٌ وَرِياءُ

أما القصيدة الثانية، التي كنت أهيمُ بها، فهي قصيدة “اختلاف النّهار واللّيل يُنسي” التي نظمها وهو بالأندلس في منفاه، وتقطر كلُّ أبياتها شوقًا وحبًّا لمصرَ، وعارَض بها قصيدة البحتري الشّهيرة “صُنتٌ نفسي عمَّا يُدنِّس نفسي”، ورغم طول القصيدة التي قالها شوقي، فإنّك تذوب ذوبًا، وتشعر بألم الشّاعر وشوقه الجارف لبلاده، وتعلِّمك كيف هو الوطن في وجدانك:

وَسَلا مِصرَ هَل سَلا القَلبُ عَنها
أَو أَسا جُرحَهُ الزَّمانَ المُؤَسّي؟

كُلَّما مَرَّتِ اللَّيالي عَلَيهِ
رَقَّ، وَالعَهدُ في اللَّيالي تُقَسّي

أَحرامٌ عَلى بَلابِلِهِ الدَّوحُ
حَلالٌ لِلطَّيرِ مِن كُلِّ جِنسِ؟!

وَطَني لَو شُغِلتُ بِالخُلدِ عَنهُ
نازَعَتني إِلَيهِ في الخُلدِ نَفسي

شَهِدَ اللَهُ لَم يَغِب عَن جُفوني
شَخصُهُ ساعَةً وَلَم يَخلُ حِسّي

القصيدة الثالثة هي مرتبطة بالشيخ علي الطنطاوي، وقد كتب في ذكرياته عن شوقي وقال: “على أنه (أحمد) شوقي شاعر العرب، الذي لم يأت بعد (أحمد) المتنبي شاعرٌ أشعر منه”. بيد أنّ ذلك الشّيخ الذي ارتبط في وجدان جيلي بِطَلَّتِه البهيَّة الوقورة بُعيد صلاة المغرب، ونحن نفطر في رمضانات خالدة في أنفسنا؛ فضّل قصيدة “الزركلي” عن دمشق، على قصيدة “شوقي”، وكتب بأسلوبه السّهل الممتنع، وحكى -بطرافة الفقهاء- أنه كُلف -في يفاعته- بإلقاء قصيدة شوقي في مدرسته بدمشق “مكتب عنبر”، وانقطع صوته بسبب قوّة القصيدة، التي كانت كالمدافع، واختار لها قافية قويّة وصعبة؛ لذلك قمتُ -كاتب السّطور- بتقليب صفحات المسوّدة هناك في متحف شوقي؛ علني أظفر بتلك القصيدة العصماء عن دمشق التي من أبياتها:

سَلامٌ مِن صَبا بَرَدى أَرَقُّ
وَدَمعٌ لا يُكَفكَفُ يا دِمَشقُ

وَمَعذِرَةُ اليَراعَةِ وَالقَوافي
جَلالُ الرُّزءِ عَن وَصفٍ يَدِقُّ

وَذِكرى عَن خَواطِرِها لِقَلبي
إِلَيكِ تَلَفُّتٌ أَبَدًا وَخَفقُ

وَبي مِمّا رَمَتكِ بِهِ اللَّيالي
جِراحاتٌ لَها في القَلبِ عُمقُ

وثمّة بيتٌ سائرٌ، يُستشهد به كثيرًا، وبات مثلًا نضربه في مجالسنا، وهو في قصيدةٍ هجا بها شوقي وقتها، كبير النّظار رياض باشا الذي ألقى خطبة يمدح فيه الاحتلال البريطانيّ، فكتب شوقي هجائيّة، باتت مثلًا، فيها:

غَمَرتَ القَومَ إِطراءً وَحَمدًا
وَهُم غَمَروكَ بِالنِّعَمِ الجِسامِ

أَما وَاللَهِ ما عَلِموكَ إِلّا
صَغيرًا في وَلائِكَ وَالخِصامِ

إِذا ما لَم تَكُن لِلقَولِ أَهلًا
فَما لَكَ في المَواقِفِ وَالكَلامِ

خَطَبتَ فَكُنتَ خَطبًا لا خَطيبًا
أُضيفَ إِلى مَصائِبِنا العِظامِ

بالطبع، أمام 23 ألف بيتٍ وخمسمائة، بذلتُ فيها جهدي أن أبحث عن محفوظاتي من شعر شوقي، لم أظفر بواحدة منها، ليستبدَّ بي النّدم، وتسوطني الحسرة، وأنا أخاطب الدّكتور العيسوي وصديقي خالدًا، مُقِرًّا بأنّني ندمت أشدَّ النّدمِ بعدمِ حضوري من الصَّباحِ، وإذًا لأمضيتُ النّهارِ بكاملِه في تصفّحِ هاته المسوّدات، بدلًا من ساعتين فقط خصّصتهما للمتحف.

سَأُكْمِلُ لَكُمْ في مَقالَةٍ تاليةٍ بَقيّةَ زِيارَتي مُتْحَفَ أَميرِ الشُّعَراءِ.

مبادروة ملتزمون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى